السقوط من البرج العاجي قراءة في قصة ( فحل توت ) للكاتب (حيدر الناصري)

وكالة خبر الاعلامية

السقوط من البرج العاجي قراءة في قصة ( فحل توت ) للكاتب (حيدر الناصري)

وكالة خبر | أدب وفنون
وكالة خبر - أدب -
القاص : حيدر الناصري
بقلم الناقد: محمد حاجم 

فحلُ توتٍ
(بعدَ أن خُيرَ بينَ فُحُولَتهِ ونتفِ ريشهِ، اِختارَ الثَّانِي، أُطُلِقَ سراحهُ، تسللَ الى قنهِ على أطرافِ أصابعهِ، أَحَطْنَ بِه دجاجاتُه، نتفَ ريشَ مُؤَخَّرَتِهُنْ، ليوَاري سَوْءتَه).
لكل نص أدبي هناك دالة معينة، تعتبر عتبة مهمة لدخوله ومعرفة مفاتيحه الأساسية، تفتح ما استغلق منه أمام القارئ، وتهيئ المتلقي لاستقبال القادم من النص ، وتكون هذه العتبة النصية مرتبطة بصورة أو أخرى مع النص.
في نص ( فحل توت ) تواجهنا عتبته النصية بعنوان مفارق بعض الشيء؛ حيث يرجع الكاتب إلى مثل عراقي دارج يقول: ( فحل التوث بالبستان هيبة )، وهو مثل شعبي دقيق، ولكل من لم يعرف ( التوث ) فهو ( فحل شجرة التوت ) الذي يواجه ناظريه بكثرة أغصانه، كونه شجرة كبيرة وزاهية، وتكثر في الغابات ولكن المفارقة أن هذه الشجرة ( فحل التوت ) ليس لها ثمار، فهي قد تكون للزينة والتباهي أكثر منها للثمار، وما نراه من أنواع التوت المتعددة والطيبة الطعم فهو يتدلى من ( أنثى التوت) التي يجاورها الفحل غير المثمر، من هنا يدلل العنوان على أنه يعالج قضية معينة، هي قضية الانكسار النفسي عند البعض ممن يدَّعون الصبر والتجلد والهيبة والتكبر، ومدى الاهتزاز الداخلي عندما يواجه اختبارات الحياة المتعددة، رمز الكاتب لهذه القضية بهذا المثل وربط بينها وبين هذه الحكاية الدقيقة.
يدخل الكاتب في سرد الحكاية مباشرة، مستخدما تقنية الاسترجاع بالسرد الاستذكاري، خالقا بذلك مشهدا مباشرا، تحرَّى فيه رمزية عالية جدا، مشبها هذا الفحل المتباهي بالديك، واصفا حالة الخنوع التي يعاني منها في تلك اللحظة، مشهد تهديد واضح بين أن يفقد فحولته، وبين أن ينتف ريشه، وقع بين المطرقة والسندان في أول لحظة للحقيقة، كان هذا المشهد مؤثرا جدا، تداخلته رائحة الآيدلوجيا والسياسة بشكل واضح، لم يكن هناك بد أمامه إلّا أن يتخلى عن هيبته المتمثلة بريشه الذي يتباهى به، ويتخلى عن كل أفكاره ومعتقداته ، وألّا يواجه الأقسى من ذلك ( فقدان الفحولة)، وقد يكون ( فقدان الحياة ) أيضا، لقد تنازل سريعا عما يؤمن به، فكانت النتيجة انقلاباً سريعاً في أفكاره لذلك أطلق سراحه، هنا يدخل مشهد درامي آخر بوصف دقيق لحالة ذلك المتباهي وما آلت إليه (تسلل إلى قنّه على أطراف أصابعه )، ليدخل الخوف والترقب ويصيب تلك النفسية بعد كل ذلك التبختر والتباهي، دللت على هذه لحالة ألفاظ معينة، فدلالة لفظة (تسلَّل) توضح بشكل صريح ما كانت عليه هذه النفسية من خوف كبير، زد على ذلك بأن لفظة تسلل تدلل على زمان وقوع هذه الحركة، وهو الليل غالبا خوفا من الرقيب حقيقة، حالة الخوف بانت كذلك من استخدام التعبير اللغوي وهو شبه لجملة بعد الفعل تسلَّل وهي ( على أطراف أصابعه ) هنا منتهى الوجل والخوف والنكوص النفسي لهذه الشخصية، تحطمت فيها كل معاني الكبرياء التي كان يتفاخر بها دائما.
بعد كل هذه الرحلة ينتقل الكاتب إلى مشهد آخر مؤثر حقيقة، وهو مشهد التضامن الذي لاقاه هذا الفحل المكسور من قبل عائلته، ومساندتهم له في محنته، هؤلاء المساكين الذين كانوا يعانون منه سابقا لم يتركوه لحالته، ولكن تدخل المفارقة، في القسم الأخير من القصة لتشرح ردة فعله وكيف كان جزاؤه لهؤلاء الضعفاء المتضامنين، لقد وصل في تلك المرحلة إلى أشد حالات التأزم النفسي وهي حالة الانتقام من هؤلاء الذين أحاطوه برعايتهم، خلل نفسي واضح حقيقة ( نتف ريش مؤخرتهن ليواري سوءته )، هنا صبّ جام غضبه على هؤلاء المساكين؛ ليعوض ما فقده في ذلك المعتقل .
تؤشر هذه القصة حقيقة لمثل خذه النفسيات المتذبذبة، والتي تركب الموجة سريعا دون تأني، فتسقط في أول دوامة واختبار يواجهها، صفعة كبيرة وجهت لهذا الفحل الذي تخلى سريعا عن مبادئه، وراح ينتقم من المستضعفين، ليسد فجوة الفراغ الداخلي الذي واجهه، ويا لكثرة فحول التوت في هذا المجتمع، والتي أفرزت مجرمين على طراز عال، وعلى استعداد كامل للانتقام من هذا الشعب.
قصة جميلة حقا تستحق الوقوف منا طويلا عليها، اكتنزت بالإشارات الرمزية، واتخذت التلميح سياقا لها بدل التصريح، أتمنى للكاتب التوفيق الدائم والى مزيد من التألق إن شاء الله.





تنويه: الاراء الواردة أو الاسلوب والنمط المتبع في سرد تفاصيل الموضوع لا يعبر بالضرورة عن رأي أو السياسة الخاصة بوكالتنا (وكالة خبر الاعلامية)
يرجى اخبارنا في حال وجود مخالفة او تصحيح او انتهاك حقوق نشر (بعد تقديم ما يثبت ذلك) عبر التواصل معنا