" مدينة الياسمين " مجموعة قصصية للقاص / حسان إسلامبولي

وكالة خبر الاعلامية

" مدينة الياسمين " مجموعة قصصية للقاص / حسان إسلامبولي

وكالة خبر | أدب وفنون
وكالة خبر - أدب - 
القاص / حسان محمد هادي إسلامبولي...

سوري الجنسية، مقيم في تركيا، يدرس في المرحلة الثانوية، يكتب القصة القصيرة ويهتم بالأدب, حائز على المركز الثالث في مسابقة وكالة خبر الإعلامية للقصة القصيرة جدا 2017.

اللوحة 


كانَ يجلسُ في غرفتهِ وحيداً، مسدِّداً نظرهُ إلى الحائط، يتأمَّلُ لوحةً زيتيةً معلقةً على جداره، شلالُ مياهٍ متدفق يصبُّ في النهر، أشجار خضراء ملتفَّة تعانق بعضها، طيور سوداء محلقة في سماء صافية، وفتاة قروية بجانب النهر تَحْسِرُ ثوبها، وتغرسُ ساقها البيضاء في مائه. وقف يتأمل كلَّ هذا بصمت، تمنَّى لو باستطاعته أن يسمعَ خرير الجدول وتغريد الطيور، تمنّى لو استطاع النوم تحت ظلِّ شجرة ملتحفاً السماء، دون أن يزعجه أحد، كما تمنّى لو كان بإمكانه أن يجلس مع تلك الفتاة. ظلَّ يتأمل اللوحة لساعات متواصلة، دون أن يشعر بالملل، وفجأة... دبَّت الحياة فيها، عاود شلالُ المياهِ جريانه، كما استطاع أن يسمعَ لحنَ أغاني الطيور المحلّقة، الفتاة...كانتْ تنظرُ إليه منْ بعيد، وابتسامة غجرية على ثغرها، رفعتْ يدها...ولوَّحتْ له. رَكَضَ إليها مسرعاً، وهو ينقِّلُ بصرَهُ بينَ وَجْهِهَا وسَاقِهَا، وهنا...التفتَ إلى الوراء، فرأى غرفته...ورأى كرسيَّه الذي كان يجلس عليه منذ لحظات، ورأى هناك نفسه يجلس على الكرسي، وهو مستغرق بالنوم.

...........................................................................
الشتاء

بعد أن أعددتُ قهوتي "السادة" كما أحبُّها، جلستُ أرقبُ أمطارَ أيلول من نافذةِ غرفتي التي تتقطرُ منها حباتُ المطر، أستطيعُ الآنَ أنْ أتذكرَ تماماً أولَ موعدٍ غرامي قمتُ به، كان ذلك منذُ عدّة سنينَ خلتْ، وكانَ يوماً أيلولياً بامتياز.
في البداية، كان الجو صحواً، وكنتُ على موعد مع ليلى، الفتاة التي تعرفتُ عليها الأسبوعَ الماضي، وكنّا قد تواعدنا في "مقهى الأمل". 
ارتديتُ كاملَ ملابسي وذهبتُ إلى المقهى الذي يبعدُ عن بيتي حوالي عشر دقائق، وفي الطريق...تلبدتِ السماءُ بالغيوم، واكفهرَّ وجهها، وسرعان ما بدأت الأمطار تتساقطُ بغزارة، وصارتِ الناسُ حولي تركضُ نحو مكانٍ يحتمونَ به من المطر، أما أنا فقد تابعتُ طريقي مسرعاً إلى المقهى.
وعندما وصلت، كانتْ ثيابي قد تبللتْ ما شاء الله لها أن تتبلل، دفعتُ بابَ المقهى ودلفتُ سريعاً إلى الداخل، وهناك...كنت أتلفّتُ يمنةً ويسرة وأقلبُّ بصري بين وجوهِ الجالسينَ في المقهى، لم أجدْ ليلى، فحمدتُ الله أنني لم أتأخر وأدعها تنتظر، اخترتُ طاولةً قريبةً من المدفأة، وجلست...وطلبتُ فنجاناً من القهوة ريثما تأتي.
أتى النادلُ بالقهوة، كانتْ الأبخرة تتصاعدُ منها، ورائحتها الزّكية تنفذُ إلى أنفي فتزيد من إقبالي عليها...وبعد أول رشفة، هدأت نفسي واستقر خاطري.
ورحت أنظرُ الشوارعَ المبللةَ من نافذةِ المقهى، ولفتتْ انتباهي قطةٌ تتكورُ أمامَ بابِ المقهى طالبةً الدفء، ولمّا لمْ تلقَ ترحيباً من نادلي المقهى، انتظرتْ وصولَ زبونٍ كي يفتحَ الباب فتلجَ هي خفية، وكانَ لها ذلك.
وبعد حوالي ربع ساعة، استسلم الغيمُ معلناً نفاذَ المطر، وبدأت الناس تغادرُ المقهى، وأتى آخرون، وفرغتْ مقاعدُ وامتلأتْ أخرى، وعادتْ الناسُ تمشي في الشوارع من جديد، كلُّ ذلكَ وأنا متسمرٌ على كرسيي دونَ حراك، أنتظرُ ليلى بفارغِ الصبر، ولما آيست من قدومها، وبلغَ اليأسُ مني مبلغه، قمتُ متثاقلاً من مكاني، دفعتُ للنادل، ومنْ ثمَّ خرجت.
وفي الخارج، تسللتْ رائحةُ زكيّةٌ إلى أنفي، قدرتُ وقتها أنَّ المطرَ قدْ أذابَ ليلى، فانتشرتْ رائحتها العطرة في أنحاءِ المدينة، ظنَّ الناسُ أنها رائحةُ المطر، أنا وحدي... كنتُ أعلمُ أنها تخصُّ ليلى.
الآن، وبينما أنا أتذكرُ هذه الحادثة التي حصلتْ منذُ سنين، توقّفَ المطر، وأشرقتِ الشمسُ من جديد، وارتسمَ قوس قزح خلّفه المطر، يمتدُّ من شباكِ نافذتي إلى السماء، فتحتُ النافذةَ لأمسكَ به...لكنه سرعانَ ما تلاشى.
وأثناءَ ذلك، تسللتْ رائحة المطر إلى غرفتي، قدرت حينها أن هناك الكثير من العاشقين الذين غادروا المقهى لتوهم، واليأس يلفحُ وجوههم.

............................................................................

مدينة الياسمين


تكنِّسُ أمطار أيلول الشوارع، وتزيل عن الأرصفة الغبار والدماء، يطبق صمت ثقيل على المدينة، يستمرُّ لحظات...ومن ثم يعود صوت المدفعية مدوياً مرةً أخرى! 
عقرب الساعة يعلن انتصاف الليل، تهدأ الأصوات قليلاً...إلى أن تختفي.
حنان بجانبي نصف نائمة، في الحقيقة...لا أحد ينام في هذه المدينة، منذ أن سقط حكم الياسمين واختنق عبيره بالغاز المسيل للدموع، والناس تمثِّلُ كل شيء، تمثل النوم، وهي مستيقظة، تمثل الضحك، وهي متألمة، حتى الموتى يمثلون الحياة!
الشمس تلعب دور الإشراق كل يوم، وتخدعنا ببريقها الزائف، فنضحك لها ضحكة باهتة، ونحن نعلم تماماً...أن الشمس لم تشرق على هذه المدينة...منذ ست سنوات!
حنان تدعوني للنوم، "ما الذي يوقظك حتى هذه الساعة"؟
سألتني وهي نصف نائمة، ومن ثم عادت لنومها من جديد...قبل أن تسمع إجابتي.
توقف المطر، وكان هذا هو الجزء المفضل لي في طفولتي، حيث تنتشر رائحته العطرة في كل مكان، مما يبعث في النفس شعوراً هو أشبه بالمورفين.
في الحقيقة، إن رائحة المطر والياسمين، تلخصان تاريخ هذه المدينة.
دقَّ قلبي بعنف، أردت بشدة أن أفتح النافذة لأشتمَّ هذه الرائحة، ولكنني ترددت جداً، وخفت، ماذا لو أنهم اغتالوا رائحته أيضاً؟
من يقتل الياسمين، سيقتل المطر لا محالة!
لم أرد أن أفتح النافذة، لم أرد أن أتخيل أن رائحة المطر قد غابت عن هذه المدينة، لقد فضلت أن أعتقد أنها ما تزال موجودة، لذلك قررت: 
لن أفتح النافذة!
نظرت إلى حنان مرة أخرى، وهي مستلقية بجانبي كملاك، لا أعرف كم مضى من الوقت وأنا أنظر إليها، جفناي لم يقاومان طويلاً...حتى رحت في سبات عميق.
في صباح اليوم التالي، لم أسمع صوتاً للعصافير، فقد غادروا المدينة منذ وقت طويل، وحدها حنان كانت تشدو في المنزل وتغني، فتدب الحياة فيه من جديد، لم أكن أعلم كم تجهد العصافير نفسها كل يوم لتغني لنا، ولم نفكر نحن يوماً في شكرها، والآن...قد غادرتنا دون وداع.
"إنّك لا تدرك قيمة الشيء حتى تفقده".
قمت متثاقلاً من فراشي، مسحت عن وجهي آثار النعاس، كانت حنان قد أعدت القهوة، "سادة" كما أحبها، رائحة البن استطاعت أن تعيد إليَّ ذكريات كثيرة، ذكريات طفولية كانت غائبة في أعماقي، من الممكن أن ينسى الإنسان ما رأى في حياته، ومن الممكن أيضاً أن يغفل بعض ما سمع، ولكن تبقى رائحة الأماكن والأشياء مغيبة في ذاكرته، فإن شمها مرة أخرى...استعاد كل شيء.
أنهيت فنجاني سريعاً، نهضت وارتديت ملابسي، ومن ثم خرجت من المنزل.
في الخارج، كانت الوجوه كلها بلا تعابير، كلٌ يؤدي دوره على مسرح هذه المدينة، لا أحد يخرج على النص، الكل يعلم ما حصل البارحة، ولكن...لا أحد يتكلم.
ذهبت إلى مقهى الحي، وجلست أستمع إلى التلفاز، نفس الأخبار كانت تذاع كل يوم، نفس الانتصارات كانت تعلن كل يوم، حتى النشرة الجوية كانت نفسها في كل يوم.
شعرت بالضجر، فبدأت أتصفح جريدة الصباح، لم أجد شيئاً مختلفاً عن جريدة البارحة، حتى الأبراج...كانت تردد ذات الكلام كل يوم.
ألقيت الجريدة من يدي، وخرجت من المقهى...دون أن أشرب شيئاً، ومن ثم توجهت إلى مقر عملي.
وفي المساء...عدت إلى المنزل، تناولت غدائي، ومن ثم جلست أمام نافذتي، أنتظر بدء المعركة من جديد، لم تكن تلك هوايتي وحدي، كل أهل المدينة كانوا يفعلون هذا سراً.
وبالفعل...لم يدم انتظاري طويلاً حتى بدأت المعركة، في البداية بدأ الأمر بإطلاق رصاص خفيف، ومن ثم تعالت أصوات القنابل والمدافع، كانت المدينة تهتز بأكملها، وكأن زلزالاً مجنوناً أصابها.
حنان كانت تخاف الحرب، فتتكور بقربي كحمامة...كحمامة سلام!
هذه الليلة...لم يستطع أحد أن ينام، حتى حنان بقيت مستيقظة، وكانت تدفن وجهها في الوسادة لتتجنب سماع دوي القنابل.
لم تتوقف الأصوات حتى الثالثة فجراً، رائحة البارود في الشوارع تزكم الأنوف، والدماء تغطي الأرصفة، وكالعادة...تهطل الأمطار ماحية الدماء والبارود عن المدينة.
-"ماذا يحدث في المدينة؟" 
سألتني حنان، لم أستطع أن أجيبها، بدت حزينة، أما أنا...فلم أكن أشعر بشيء.
شق الفجر طريقه إلينا أخيراً، الكل منهك ومتعب، ليلة طويلة مضت...ولم ينم أحد، ما إن وضعت رأسي على الوسادة...حتى استغرقت بالنوم.
في اليوم التالي، استيقظت متأخراً، حتى حنان لم تعد تغرد صباحاً، ما أصعب الحياة دون عصافير!
بعد ذلك، مضت عدة أيام على تلك الحادثة، لقد فقدت حنان ابتسامتها التي كان البيت يحيا بها وعليها، وأصبحت قلقة على الدوام، خائفة ومتوجسة، لقد أصبحتْ تدرك تماماً أن الحياة في هذه المدينة لم تعد ممكنة، ولكن أنَّى لنا أن نغادر؟
لقد تربيت هنا، ما بين النعناع والياسمين، وشببت في حواري هذه المدينة، حيطانها ما تزال محافظة على نقوشي، وما تزال أناملي محفورة على جدرانها.
أنّى لنا الرحيل يا حنان؟
إني لأعرف أن هذه المدينة قد استحالت قفصاً يسجننا بداخله، يصادر حريتنا، ويمنعنا الغناء، ويقص جناحينا لو فكرنا بالطيران.
ولكن أين المفر؟ 
لم تجب حنان، لقد كانت شاردة في مكان بعيد، وعيناها باهتتان، لقد اختفى ذلك البريق في عينيها، لقد محته الحرب، كما محت كل جميل من حياتنا.
سيطر الصمت برهة من الزمن، ثم تمتمت حنان:
-علينا أن نسافر.
قلت لها: لأين؟
عادت حنان إلى صمتها، ثم قالت من جديد:
-إلى أي مكان...فقط خذني بعيداً عن هذه المدينة، إن هذه المدينة...لن تشرق فيها الشمس من جديد!
لم أستطع أن ألبي طلبها، إذ لم تكن مغادرة هذه المدينة سهلة بكل تأكيد، وأين نذهب؟
ليس لدينا أي مكان نبيت فيه خارج أسوار هذه المدينة.
تركتها حزينة، وخرجت من المنزل هائماً على وجهي، في الطريق...كان الناس يتزاحمون في زاوية الشارع، حشرت جسدي بينهم لأعرف سبب الازدحام، فتبين لي...أن مقاتلاً من معركة يوم أمس، مستلقياً على حافة الموت، ودماءه تخضب جسده، يصرخ مستغيثاً بالناس، لينقذوه.
ولكن...لم يحرك أحد من الناس ساكناً، لم ينقذه أحد، ظلَّ الصمت مخيماً على الموقف، ولما آيس الجريح من الناس أن ينقذوه...صرخ بأعلى صوته:
-الله أكبر!
ارتعد الناس جميعاً، وصعقوا تماماً، وبدأوا يفتشون كالمجانين في نصوصهم، لكنهم لم يجدوا أبداً كلمة "الله أكبر"، وأدركوا أن هذا الرجل قد خرج عن النص، فهرعوا ليسكتوه بأي وسيلة...فقتلوه.
وهنا...كانت المفاجأة، لقد فاحت من جسده رائحة الياسمين، رائحة الياسمين التي اختفت عن هذه المدينة منذ وقت طويل.
وما إن نفذت رائحة الياسمين إلى أنوف أهل المدينة، حتى صرخوا جميعهم، وبصوت واحد:
-الله أكبر!
وهنا...بدأ الرصاص يهطل علينا كالمطر، ويتصيدنا واحداً تلو الآخر، ومع كل جثة تسقط، كانت تفوح ياسمينة أخرى، واشتدت المعركة بين الرصاص والياسمين، ولم أشعر...إلا برصاصة قد اخترقت جسدي، سقطت أرضاً، وبدأت دمائي تسيل على أرض هذه المدينة...مدينة الياسمين.
لم أكن أول شهيد للياسمين، ولن أكون الأخير، فاحت من جسدي ياسمينة قد كنت قد زرعتها في باحة بيتنا عندما كنت صغيراً، واختفت رائحها منذ زمن بعيد، الآن...عادت تفوح ثائرة معلنة انتهاء حكم البارود.
لم تلبث المعركة طويلاً، حتى انقشعت رائحة البارود عن المدينة، وعاد عبق الياسمين من جديد.
تلفتُّ حولي، الكثيرون من الشهداء، والكثير من الجرحى، لم يكن أحد باستطاعته أن ينهض، وهنا...بدأ المطر بالهطول.
كانت قطراته بلسماً لجراح أهل المدينة، الجميع كان يبتسم، حتى الموتى...أمثالي.
وبعد توقف المطر...انتشرت رائحته العطرة بكل مكان، شعرت بجسدي يتخدر، هل هو شعور الموت يا ترى، أم المورفين؟
لا يهم!
حنان تركض نحو الجثث باحثة عني، ومع اختلاط رائحة الياسمين في أجسادنا، كان من الصعب أن تجدني.
ولكنها واصلت البحث، أستطيع أن أرى ذلك البريق في عينيها مختلطاً بدموعها، لقد اختفت ملامح الأسى عن وجهها، واستعادت وجنتيها لونها الأحمر من جديد، كأي وردة تفتحت...في فصل الربيع. 
وأخيراً، عثرتْ عليّ، ارتمت على جثتي، وهمست في أذني باكية:
-استيقظ!، لقد عادتْ الشمس تشرق على هذه المدينة.
تمنيت لو باستطاعتي أن أعود إلى الحياة، ليس لشيء...سوى لأرى حنان، تبتسم مجدداً.
ولكنَّ قدري أن أموت شهيداً للياسمين.
أغلقوا عيناي، لم أعد أرى شيئاً، غابت عني المدينة، وحنان، ولكنني ما أزال أستطيع أن أشتم رائحة الياسمين، ورائحة المطر، ورائحة القهوة السادة التي تعده حنان كل صباح.
وما أزال أستطيع أن أسمع بوضوح...صوت العصافير المغردة، مع إشراقة شمس كل صباح.

.................................................................................

مدينة الأنبياء


وأنا أسيرُ في مدينة الأنبياء هائماً على وجهي، كنبيّ تائه أضاع رسالته، وأخذ يبحث عنها في وجوه النساء، الجميلات منها، وابتسامات الأطفال، وشروق شمس كلّ صباح، وطيورها... الطيور، هي من أجمل ما في "أورفا"، طيور أورفا ملائكة من السماء، تحوم حول قبور الأنبياء لتحميها...وتسلّيها في وحدتها، تسير في أسرابٍ كبيرة، ارتديْن جميعهنّ السّواد... حزناً على موت الأنبياء! 

مشيتُ طويلاً في أورفا، فتّشتُ جميع محلات الورود، بحثاً عن "حنان"، كنت أسأل كل بائع، أن يفتش جيداً، علّه يلقاها مخبأةً بين الياسمين والنرجس، لكنني لم أجدها... كنت أحتاجها بشدة لتؤنسني هنا في وحدتي، ولم أجدها...

عدتُ خائباً.. وفي الطريق، لم أكن وحيداً تماماً، إذ كان معي ملاك صغير، يحلق مع الطيور السوداء، ويفسد عليها حزنها ببهجته، ثم يعود قافلاً إلى عربته...لينام، ذاك هو ولدي "أيمن". وبعد السير في شوارع أورفا لثلاث ساعات متواصلة، خارتْ قواي، وتورّمت قدماي، فعدتُ إلى الفندق حزيناً، وهناك...لم أستطع النوم، ورحت أتقلّب في فراشي، وكيف ينام نبيٌّ بلا رسالة ؟ 

وفي الصباح، صعدتُ إلى الطابق العاشر في الفندق، حيث المطعم هناك، وكان وقت شروق الشمس، ويكفيك وأنت ترى الشمس تمدّ إليك جدائلها الذهبية، متباهية بهاً، أن تنسى القمر! وكيف نغفل عن هذه الجميلة ونتغزل بالقمر؟ ولكننا أبناء الليل بطبعنا، نترك ضياء الشمس الممتد إلى الأفق، ونسهر على بصيص القمر، وأضواء النجوم الخافتة المتناثرة، كم نحن ظالمون! 


تناولتُ طعامي، وارتديت ملابسي، تركت ملاكي الصغير نائماً، وذهبت للبحث مرة أخرى، ولكن هذه المرة، سأذهب إلى المتحف، لربما تكون رسالتي تائهةً هناك، في الماضي، داستها أقدام المؤرخين، وسَهتْ عنها أقلامهم، لا بأس...لكل نبي حظّه من الشقاء! 

هناك...في المتحف، استقبلتني اوركسترا هادئة، وبعض التماثيل الشمعية، ذاتها التي ألقاها في كل متحف أزوره.

وهناك...من بين التماثيل، وجدتُ حنان، تلبس لباساً قروياً كادحاً، وتعمل مع التماثيل بكد وتعب. وعندما رأتني... ركضتْ إليّ مسرعة، ورمتْ نفسها بين ذراعي، حضنتُها، وعندها... صفّقتْ جميع التماثيل، وأخذت ترقبنا بسعادة. 

عصرتْ حنان يدي بيديها، وقالت بلهجتها البدائية أن تعال نرقص، ولبيت دعوتها بسعادة. وبدأنا نرقص على وقع الأوركسترا، رقصة هادئة، ولم يلبث الأمر طويلاً حتى انضمتْ التماثيل لنا، كل حبيبين، ظلّا دهوراً طويلة عاجزين عن الحركة، ينظران إلى بعضهما البعض بحزن. الآن...عادت الحياة لهما من جديد، ولربما تذهب مرة أخرى... ولا تعود! لذلك كانا يعيشان لحظاتهما بسعادة، نسوا كل العتاب... الآن لا وقت لديهم، سوى للرقص على صوت الأوركسترا الدافئ. أما أنا وحنان، فلم نكن نتكلم شيئاً، إلّا أنّ أعيننا كانتا تتكلمان الكثير. تمايلنا كثيراً، وقطعنا المتحف بأكمله راقصين، وعندما قاربتْ الأوركسترا أن تنتهي، وبلغ رقصنا ذروته، نظرتُ في عينيها، كأنني أستأذنها... خفرتْ وجهها بحياء، فعلمت موافقتها، وهممت أن أقبّلها، أغلقتْ عينيها وانتظرتني... إلا أن هاتفي قد رن، معلناً انتهاء المدة. لقد حان موعد انطلاق الطائرة، وعليّ أن أذهب إلى المطار بسرعة...

عادت التماثيل إلى أماكنها بسرعة، واستحالت سيرتها الأولى...

وحدها حنان، بقيتْ مغلقة عينيها تنتظر مني قبلةً، تعيدها إلى الحياة من جديد. هممت بأن أغادر المتحف سريعاً. هناك، كانوا قد وضعوا دفتراً لتسجل فيه ذكرى قدومك إلى المتحف، ووضعوا قلماً فوقه...

أخرجتُ قلماً من جيب معطفي، قلماً أهدتني إياه حنان ذات يوم، وكتبت:

" لقد كانت رقصة رائعة ! 

شكراً لك حنان... أنا أحبك ! 

21/12/2017 ، حسان إسلامبولي "



وخرجتُ مسرعاً إلى المطار، بعد أن وجدتُ رسالتي... في عينيها.

....................................................................................













تنويه: الاراء الواردة أو الاسلوب والنمط المتبع في سرد تفاصيل الموضوع لا يعبر بالضرورة عن رأي أو السياسة الخاصة بوكالتنا (وكالة خبر الاعلامية)
يرجى اخبارنا في حال وجود مخالفة او تصحيح او انتهاك حقوق نشر (بعد تقديم ما يثبت ذلك) عبر التواصل معنا