"الصهد" رواية لن تنتهي .. قراءة نقدية

وكالة خبر الاعلامية

"الصهد" رواية لن تنتهي .. قراءة نقدية

وكالة خبر | أدب وفنون
وكالة خبر - أدب-
الصهد .. رواية لن تنتهي
قراءة في رواية " الصهد" للكاتب ناصر الظفيري, يكتبها القاص عباس عجاج
ليست العاطفة من يقود القاريء  للتعايش مع النص بقدر أهمية مكنون الرسالة التي يحملها السرد القصصي, ومدى قدرة الكاتب على إيصال تلك الرسالة.
الوطن ذلك المسمى الذي تجاوز حدود الجغرافيا المكانية, ليتمثل بمشاعر إنسانية أكبر من أن يختزلها شخص ما بوصف خارطة, أو نظام حكم, أو مسيرة حياة.
من السهل جدا أن تجد مساحة أرض تستوطنها, لكن من الصعب جدا أن تخلق علاقة مواطنة مالم تستشعرها كعلاقة أم و إبن, تلك العلاقة السامية التي لا تقبل الانفكاك الا أن يكون الإبن عاقا, أو أن تكون لدى الأم قابلية للتخلي عن أحشائها.
هذا ما يمكننا أن نستخلصه من خلال رواية " الصهد" لكاتبها ناصر الظفيري, بما أتقن توظيفه من أدوار لشخصيات روايته, التي دارت رحاها حول قضيتين متشابهتين من جانب, ومختلفتين من جوانب عدة, (البدون, والقضية الفلسطينية).
في الوقت الذي اعتبرنا " ساق البامبو" للسنعوسي , صرخة في وجه الظلم الاجتماعي, وثورة إنسانية بوجه تقاليد مجتمعية لا تتعامل مع الانسان بإنسانيته, يمكننا أن نعتبر " الصهد" للظفيري ناقوسا يدق لإيقاظ الضمائر الغافية, المتغاضية عن الجانب الانساني من المواطنة.
الاسلوب الدرامي الذي اتخذه الظفيري في سكب أحداث الرواية , والعودة بنا للأسباب الحقيقية التي جعلت من المشكلة نواة لمشاكل متتالية, اعتمد الوقوف على الأسباب الحقيقية  - كجزء منها – لنشوء مشكلة قضية البدون في الكويت, والمأساة التي دفع ثمنها أجيال متعاقبة, وذلك من خلال الخوض في آلية تشكيل نسيج المجتمع الكويتي, لطبقات مختلفه ارتضت بإرادتها أو تحت وطأة الضروف التي أجبرتها على ما صارت إليه.
الرواية تشير إلى مسلسل من النتائج الوخيمة التي تعرض ومازال يرنح تحت طائلتها أبناء الكويت من تلك الفئة دون توجه حقيقي من قبل الحكومة لتدارك تفاقم المعضلة.
الصهد في اللغة ... ورد معنى صهد في لسان العرب صَهَدَتُه الشمسُ لغة في صَخَدَتْه ابن سيده صَهَدَتْه الشَّمْسُ تَصْهَدُه صَهْداً وصَهَداناً أَصابَتْه وحَمِيَتْ عليه والصَّيْهَدُ شدّة الحَرِّ,
ومن أقام بالكويت لا يخفى عليه تكرار الاسم كصيهد الضفير, أو صيهد العوازم, الذي يعبر عن مدى  شدة حرارة الصيف في الكويت, مما يعكس حجم الجحيم الذي يعيشه الفرد في وطن يتقيأ أبنائه.
كتبت الرواية التي بين ايدينا عام  ٢٠٠١ واكتملت عام ٢٠١٣, الا أنها لم تنته سواء حدثا, أو نصا, فنحن على موعد مع الجزء الثالث للصهد, الذي سيكشف عما في جعبة الظفيري من مشاعر, وأحاسيس تختلج في نفوس أبناء تلك الفئة.
السرد القصصي الذي اتخذه الراوي لا يختلف كثيرا عن الاسلوب المتبع لأغلب الكتاب العرب, بل إن اللغة البسيطة التي اتخذها في ايصال رسالته كانت وسيلة سلسة لتقريب الرسالة للمتلقي, يتضح ذلك من لغة الحوار التي تكشف عن أبعاد شخصيات الرواية, مما يتيح لنا تصور طبيعة كل شخصية على حدة, في ظل توقيت زماني ومكاني متناسق جدا.
أعتقد أن الصهد رواية استطاعت ضم المفهومين اللغويين للرواية كفن قصصي, أو من باب التعريف الاصطلاحي للرواية فهي في اللغة كلمة مشتقة من كلمة الري ومدلولها الحسي نقل الماء من موضع إلى آخر لري الأرض أو إشباع الظمأ – كما يراها صفدر إمام الندوي-, فجاءت لتشبع ظمأ طالما انتظر الكثيرون الاستسقاء له.
الشخوص ... كان لابد للقاص كي يقف على مفاصل القضية التي تناولتها الرواية, نرى أن الشخصية المحور انقسمت في أغلب الشخصيات إلى قسمين ( بذرة, وثمرة ), متمثلة بالشخصية -المحور- , " شومان" بصفته البذرة التي نتجت عنها المعاناة, امتدادا إلى " علي" الضحية, وهذا ينطبق على بقية الشخصيات الاخرى ( ابن فضل, شريف), (شاكر, قيس), ( بو ليلى, ديما) وووو.
كما أن شخصيات أخرى لم تكن ذات شأنا أدنى, وإن كانت ثانوية , سطحية, كالحضرمي, والسيد, وفواز , وغيرهم, الا انها كانت ضرورة ملحة للتحكم بمسار النص.
البيئة ... ان الظروف المكانية والزمانية  التي رافقت وقوع الأحداث داخل القصة, وان استطاع الكاتب التغلب عليها من خلال الحبكة الدرامية للنص , الا أنها كانت متباينة في الوصف , والتحليل, ففي الوقت الذي نجد رسما دقيقا ينم عن دراية تامة بجغرافية الاماكن في الكويت, وكندا, نلمس مرورا باهتا في أماكن أخرى تناولتها الأحداث في السعودية, والشرق الأفريقي, وجنوب العراق, الا أن ذلك لا يقلل من القيمة الفنية للرواية, فقد استطاع التغلب عليها بامتياز من خلال التحكم بآثار البيئة الاجتماعية, والنفسية التي نجحت بتصوير العلاقات الإنسانية التي تربط الفرد ببقية أفراد المجتمع في كافة الجغرافيا التي تناولتها الرواية.
أعتقد أن الرواية التي بين أيدينا رواية شموليه, فقد جاءت تاريخية بامتياز, واجتماعية بحتة, وتجاوزت الإفليمية إلى العمومية, ولا  تخلو من الفلسفة الأدبية , الفكرية التي شهدناها في روايات مثل " حي بن يقضان", ولم يغب عنها الحديث عن شخصية الكاتب لكونه ضحية من ضحايا المشكلة الأم, والذي – أراه شخصيا – متمثلا بدور " علي بن شومان".
الرواية الحديثة يجب أن تخترق المعاناة, حاملة رسالتها لأجيال عدة, لا تتوقف عند وفاة بطل القصة, أو زواج الأحبة, بل أن تفتح آفاقا للحلول, وتعكس آثارا للمستجدات, لذا أرى بأن " الصهد " رواية لم تنته.
.. عباس عجاج البدري








تنويه: الاراء الواردة أو الاسلوب والنمط المتبع في سرد تفاصيل الموضوع لا يعبر بالضرورة عن رأي أو السياسة الخاصة بوكالتنا (وكالة خبر الاعلامية)
يرجى اخبارنا في حال وجود مخالفة او تصحيح او انتهاك حقوق نشر (بعد تقديم ما يثبت ذلك) عبر التواصل معنا