القصص الفائزة بالمراكز الخمسة الأولى لمسابقة رولا الحسينات للأدب النسوي

وكالة خبر الاعلامية

القصص الفائزة بالمراكز الخمسة الأولى لمسابقة رولا الحسينات للأدب النسوي

وكالة خبر | أدب وفنون
وكالة خبر - أدب -

أسدل الستار مؤخرا عن نتائج مسابقة رولا الحسينات للقصة القصيرة, الخاصة بالأدب النسوي, والتي تصدرتها القاصة هدى الغراوي , من العراق.

وفيما يلي السيرة الذاتية , والنصوص الحاصلة على المراكز الخمسة في المسابقة.

الجدير بالذكر أن القصص سيتم طباعتها قريبا في كتاب يحمل اسم " الفائزات".
هدى الغراوي

كاتبة وأديبة من بغداد من مواليد 1985 الانجاز الأدبي: ــ حصلت على المرتبة الثالثة في مسرحية (عودة إبليس) عمل مشترك مع الكاتب فلاح العيساوي، سنة 2015. ــ حصلت على المرتبة الأولى للقصة القصيرة في مهرجان السفير الثقافي 2016. ــ شاركت في المجموعة القصصية المشتركة للقصة القصيرة جدا، والتي تضمنت مجموعة من القاصين العراقيين. ــ شاركت في المجموعة القصصية المشتركة للقصة القصيرة، والتي شارك فيها عدد من القاصين العرب. ــ شاركت في المجموعة القصصية (الفائزون) التي صدرت من دولة الكويت، وقد تضمنت قصص الفائزين في العشرة الأوائل في المسابقة الفصلية لعام 2016. ــ حصلت على المركز الأول عراقيا والرابع عربيا في مسابقة (وكالة خبر) للقصة القصيرة جدا.. ــ وحزت على شهادات تقدرية أخرى.. ــ صدرت لي مجموعة قصصية بعنوان (كاريزما) ولدي مجاميع أخرى لم تطبع بعد.
المركز الأول
ولادة الطــين
هدى الغراوي
العراق

لم تكن تملك مرآة لتحدّق فيها، تصغي إلى عقارب الساعة، وهي تمضغ ملامح سعادتها، الجراح أصبحت أشد وطأة من سنين عجاف عاشتها بين الموت والحياة، تؤلمها شروخ الجدران التي تئن من البرد هي الأخرى، نافذة مشرعة على مقبرة، خرقة تبلّلت بفعل الأمطار تستر هيكل باب فاغر فاه، الطين ترك آثار أقدامه في كل مكان، بيت يتنفّس ما تركه الأموات من ذكريات، أدوات أكلها الصدأ كذلك السلاح حين خبّأه جدّي في كومة من الحديد خوفاً من أن يعبث ابنه به. أحبَّ أخوها بنت خالته وأرادها زوجة له؛ كان لابد أن يدفع ثمناً ليحصل على مراده، اعتادت على رائحة العدم، تقسو المسافات حين تكون حلماً، تحدّق في ثوب جديد على واجهة المحل تتلمّسه، تسري في نفسها فرحة خفية، تتذكّر أنها لا تملك سوى ثوبين، تلتفت إلى زوجها، تخشى أن تطلب منه. . . وقبل أن تتفوّه يبتسم؛ يسحب الثوب، يقلّب أقمشة أخرى، يمازح صاحب المحل، ثمَّ يعود إليها وهي ما تزال في دهشة: ــ هذا لكِ.. يجرّها بقوّة من فراشها وهو يصرخ هذا لكِ.. انهضي وخذي هذا الكفن، يركلها بقدمه، ثمّ يرمي بوجهها، ثوباً نشرته مع ملابسه، تنساب دموعها بغزارة. صباح مشؤوم تشعر أنها نقطة ضوء مشوّهة قذفها القدر في رحم الظلام، تمضي في تيه بأمتار معدودة، نسوة يحملن أثقالاً، صراخ وعويل يملأ المكان، إحداهن يغشى عليها، وهذه أصفرّ وجهها من الخوف، عجوز تستعرض قوّتها وتجربتها في وقت لا يكون للحكمة آذان مصغية، تقصّ ذكرياتها حين جاءت بمفردها إلى هنا، تحثهنَّ على المشي جيئة وذهاباً.. جارتها أخذت تصغي إلى حكاية امرأة تريد الطلاق من زوجها وتناست أمر صديقتها، تحاول خدش وجهها، تصرخ من الألم، تتضرّع إلى اللّه، في الجهة الأخرى تسمع صوت فرح، تمنّت أن تملكها السعادة بعد قليل، من الصعب أن تواجه ملك الموت في حالة من الهستيريا، يذهب بك الجنون حين تكون غريباً في زمن ملطّخ بسناج أسود، الأمل هو أن تتمسك بأوهام تصنع منها أحلاماً بعيدة المنال لتواجه بعد ذلك تعاستك، كيف للأم أن تميّز الأوجاع إن كانت أُنثى، لماذا عليها أن تكون ضحية قصّة حبّ لم تتذوّقها، مشاعرها أصبحت أرواحاً تلفظ أنفاسها الأخيرة، كلّما سمعت تهديداته تتمنّى لو أنَّ الله خلقه من جنسها، سقطت تبكي بينما كانت أمّها تتلوّى في صالة الولادة، طلقها بعد أن أنجبت له البنت الثالثة. رجعت إلى بيت أبيها الّذي تآكل من شدّة العِوز، بيتاً تسكنه الأرواح إلّا من شيخ أقعده الدّهر على فراش المرض، اضطرت أن تكون المسؤولة عن عائلة تعصف بها رياح الضّياع، أمّها لم تعانِ كثيراً من الموت، عندما بلغت الحياة جنونها، أسرع المرض ينهش في ثدييها، تذْكر لنا كيف رأتها كخشبة يحزّ المنشار فيها، صرخة والدها جعلتها تدرك أن ليس من حقّها أن تعيش بسعادة، أيتمتها ألسنة القدر، حين تسير حافياً تشعر أن الأرض فتاة لم تفض بكارتها بعد.. لا تريد أن يقربها الغرباء؛ كانت كهذا الحال حين اجتثت من الحنان.. جميعهم ينظر إليها بعين العطف ذلك ما جعلها تفهم أن للدموع أحاديث، تقمّصت دور الأم منذ طفولتها، أصرّ أبوها أن يكون وحيداً، ربما هذه حسنة كبيرة أعدّها اليوم له، كيف سيكون الحال لو كانت تحت سوطين من الظلم. زوايا ما تزال تحفظ نشيج أخته تحت المطر، قالت أنّه منعها من دخول البيت في ليلة كان البرد فيها يتشبث بالظلام، لأنّها نست أن تغسل ملابسه، تخلّى عنهم بعد سنوات ثمناً لسعادته. لم تجد أيَّ وظيفة تعمل فيها، فهي لا تعرف الكتابة والقراءة، قرّرت أن تلتحق (بمعمل الطّابوق) مع أرامل يرتدين الحزن خوفاً من العوز، الموت أحياناً يأتيك بملامح كائن حيّ ينفث في وجهك بقية سمومه، تجرعن الغربة في وضع لا مفر منه، عندما تكون المرأة أرملة عليها أن تكون أم باكر ورجل يجابه المصاعب في آن واحد، راحت تشتغل من الخامسة صباحاً وحتّى آخر النّهار، صار كلّ همها أن تبعد بناتها عن مرارة الحياة الّتي عاشتها، تعود عند السّاعة الثّانية عشرة ظهراً، بطون تضجُّ بالخواء وقدور مشرعة على مذاق الفقر، تحدّق في بناتها وتبكي من القلق الّذي يداهم واقعها، ترجع إلى سجنها تحت خراب الزّمن، معمل كأنّه قبوٌ تستودع فيه آمال تهشم واقعها، حتّى أضحت سراباً في عقر صحراء هائجة بعواصف النِّسيان، لفحت وجهها حرارة الشّمس؛ امتصّت لون بشرتها، أحالت ثيابها أسمالاً، تشيّع أطياف شبابها مع كلِّ حمل تلقيه على ظهرها. اليوم علي أن أحفظ تجاعيد الفقر جيّداً، أمّي ما عادت تقوى على القيام، أنا الآن بمقاس الموت تمارسه تماماً، جدّي رأيته آخر مرَّة كأنّه قطعة أثرية في لوحة من خشب، عندما يموت إنسان طاعن في السنّ، تشعر كأنَّ مدينة سقطت بأكملها، يرحل معه كلّ شيء إلّا ذلك الجدار الذي كان يتّكئ عليه، وحيداً سيظل يحدّق في فراغ مبهم؛ كأمّي التي أهلكتها الأقدار، بعد أيّام من دفنه، طردنا خالي من البيت، وها نحن نسكن هنا منذ أعوام بين هذه النفايات، حين تتأمّلها جيّداً؛ سيتضح لك إنَّ كل هذا الخلق يمارس العبث كي يهرب من المجهول الذي لم ولن نعْلمه أبداً.
........................................................................................................................................................


رامية نجيمة قاصة مغربية من مواليد الحسيمة، حاصلة على الإجازة (بكالريوس) في القانون شعبة العلاقات الدولية. كاتبة وقاصة لديها مجموعة قصصية موسومة بـ "قضبان وأجنحة" تضم قصصا قصيرة جدا، ومجموعة قصصية قيد الطبع (قصص قصيرة) موسومة بـ "المضطربون"، وسلسلة إلكترونية: مذرات فتاة حائرة، كما لديها عدة مقالات وقصص منشورة في مواقع ومجلات عربية.
المركز الثاني
القاتلة
رامية نجمية
المغرب
أكتوبر/تشرين الأول 197315

اليوم تنبَّهتُ إلى أنّني أصبحتُ أتمنى اختفاءهُ مِن حياتي؛ وَليتمَّ ذلك تحت أية ذريعة: سفر، رحيل.. أيّ شيء، إلا الموت؛ فإنه ليس من أمنياتي. فإنه يستحيل علي أن أتمنى انقطاع الأنفاس عن أحدهم، وأنا التي أقدِّس الحياة ولا أتمنى زوالها حتى لأعدائي... إنّي أتألَّم مَع كلِّ زهرة تذبُل... والنَبتة في حديقتي أرعاها وأسقيها وأتوجَّع إن داستها قدَم... حتى الحشرات التي تتأفّف مِنها بناتُ جنسي أتأفّف أنا مِن قتلها... إنه ليسَ ذنب الصرصور إن كان مُقزّزا، ولا جريمةَ البعوضة إن كانت حياتُها رهينةً بِبُلالة دمٍ في عروقنا.

22يناير/كانون الثاني 1974

الحياة هِبة مُقدَّسة، لا يمنحها البَشر ولا يحقُّ لهم _إذا_ أن يسلُبوها. وأنا لم أكن أتصوّر في يوم مِن الأيام أني أستطيع أن أتخيّل _مجرّد تخيُّل_ في أني قد أكون أسعدَ لو أنَّ الحياة تُنتزع مِن أحدِهم انتزاعاً.. لكنَّ هذا الذي صرتُ أفكر في موته وأتمناهُ ليسَ أيّ أحد، إنه أقربُ الناس إليَّ، والرجلُ الوحيد في حياتي، وهو في آن الوقت، المُسمِّم الوحيد لحياتي

مايو/أيار 197406

في البَدءِ كان تفكيراً وحَسب، أيستطيعُ أحد أن يُدين التفكير؟

أيُعقل أني أذنبتُ إذ فكّرتُ بأنَّ حياتي أنا، ستكون أفضل لو تمكّنتُ مِن إنهاء حياته هو؟ هل أصبحت بذلك إنسانة شريرة؟

كلا، إنه ليسَ مِن الشرّ في شيء أن يُحاول الإنسان الدفاع عن حياته وأحلامِه، وهذا الرجل سرقَ أحلامي كلّها، إنّه يخنقني منذ سنوات، لا يتركني أعيش، و لا يتركني أرحَل، ولا يَرحل هو لأرتاح.. لقد أضاعَ مِن عمري أجمل السنوات، وها هو الآن يُضيع ما تبقى ... آه، كلَّما فكَّرتُ بأنّ اكتمالَ سعادتي رهين باختفائه من الوجود، أتمنى لو أنّي أستيقظ ذات صباح فلا أراه!

12يوليو/تمّوز 1974

لقد اتخذتُ قراري ... سأقتُله... سأسلُبه حياتَه البئيسة... حياتُه ليسَت ذات قيمة، إنَّه إنسان تعِس، يعيش ليُعذِّب ويتعذَّب. لا شيءَ يُمتِعه، لا شيء يُسعده، لا شيء يُعجبه... يحبِس نَفسه بين جدران هذا البيت ويحبِسني معه. يصرخ في وجهي لو حطَّت على وجهِه ذبابة، ويمدُّ يدَه عليّ عِوضَ أن يمُدّها لي...

إنّه فارِغٌ ومخيف كفزّاعة، لا أحدَ يُحبه، ولا أحد يُطيق صُحبته... هو يعرف هذا جيدا، يعرف أنَّه ليس هناك مَن يتحملّه سواي، وأنّ الموتَ سيكون مآله إن هجرته، لذلك لا يفُكُّ وثاقي... يُراقبني بعينيه الضيّقتين طوال اليوم، ويعلّق على كلّ خَطواتي... إنّي أنا أكون لعبتُه، التي إن ارتاحَ لها فكّكها، وإن سئِم منها كسّرها.. أن أقتلَه أو أن أنتظِر موته سِيان، في الحالتين لا أتمنى أن يطولَ عمرُه، وتمني الموتَ لأحدِهم جريمة كقتلِه... وإني متأكدة أنَّ الله سيسامحني على جريمتي، ولئن التقيتُ بمقتولي هناك سيسامحني أيضا، لأنّه فقط في حياته الأخرى سيدرك كَم عذبني وآلمني وسقاني مِن العذاب مُرّ الكؤوس... سيدرِكُ أنّي لَم أمتلك الخيار... ولرُبَّ موتٍ يحيقُ به الآن ويحمله إلى الآخرة مَظلوما خيرٌ مِن حياة يحصُد فيها المزيد من الذنوب والذنوب...

استجمعتُ همَّتي أخيرا... وأما طريقةُ قتله فإنها أمرٌ هيّن... إنّه رجل كهل، أقربُ إلى الشيخوخة، صِحته ليسَت في غاية المتانة، ثمّ إنّي أنا التي تطبخ طعامه، وتنظّف ثيابه، وأنا المسؤولة عَن كلِّ أشيائه... حسبيَ أن أترَك النوافذ كلَّها مفتوحة في حَضرته حتى يصيبه داءُ الرئة، أو أُهمِل في نظافة ما يأكل حتى تتفجّر أمعاؤه، أو أُكثِر له مِن المُملّحات والمَقلِيات، وأُتخِمه بالمثلجات والحلويات، حتى أرفَع ضَغطه وسُكّره، أما إذا فعلت به كلَّ هذا دفعة واحدة لأبكين في جنازته أسرع مما أتصوّر، ولتكوننّ هذه بحقّ، أوّل جريمة كاملة!

1غشت/آب 1974

قبل آذان الظهر بقليل، أنا في الداخل، قُبالة الباب الخارجي، وهو ملفوف في غطاء فوقَ نعشٍ يتعاون على حملِه ستةُ رجال.... في الخارج جوقةٌ كبيرة من الناس احتشدوا حولَ بابِنا في صفَّين؛ واحد للرجال وآخر للنساء.. أراهُم كلُّهم يبكون... يشهقون... عيونُهم مُحمرّة... أنوفُهم مُختنقة... يرتعشون من هول المشهد. مشى الرجال بالنّعش وأنا أتتبعه بناظري حتى قطع الطرقة الطويلة والتفَّ نحو اليسار، أما سيلُ البَشر المُتدفّق الذي يتبعُه مازال ينثال من كل الجهات... أيُّ مسجدٍ سيحمِل كلَّ هؤلاء؟ ومن أين جاؤوا؟ بينهم وجوهٌ لا أعرِفها، ووجوه وجدتُ صعوبة في تذكرها... لا أذكُر الآن إلا أنَّ أصواتا تناهت إلى سمعي وهي تردِّد عبارات مِن قبيل:

كان رجلا طيبا. -

-كانت الابتسامة لا تُفارق وجهه ...

لم يفوّت صلاةً في الجامع ......-

كان يحبُّ الجميعَ والجميعُ يحبّه ......-

8غشت/ آب 1974

أعترفُ أنّني لستُ سعيدة وأني لا أتوقّف عَن البُكاء ... تُطارِدني صورتُه وتترصّدني الذكريات... هذا هو الباب الذي كانَ يدخل مِنه واقفا على قدميه، مُحمَّلا بالمُشتريات... وهو ذاتُه الباب الذي خرجَ مِنه محمولا في نعش.. وهذا هو الكُرسي الذي كان يجلس عليه ليتلو مُصحفه ورائحة المسكِ تفوحُ مِنه، وهو نفسُهُ الكرسيّ الذي كان جالساً عليه قبل أن نجِدهُ ذاتَ ليلة مُلقى على الأرضِ مُزرقَّ اللون تفوحُ منه رائِحةُ النتَن... أقاربي الذينَ استنجدتُ بهِم لمّا رأيتُه جُثة أجمعوا على أنّهُ توفِي في الصباح الباكر وسألوني كلُّهم بلسانٍ واحد: 




كيف لم تكتشفي أنّهُ مات إلا بعدَ مُضيّ ساعات على ذلك؟-

-كيف لَم تُلاحظي غيابَه وأنتِ وحدَك تقيمين معه؟! كيف لم تتفقّديه؟!

بُهِتُّ أنا؛ فلم أجد بأسئلتهم جواباً يليقُ أن يُقال...: أأقولُ لهم إني لا أكلّمه منذ شهور؟ 

-أأقول لهم: إني أتعمَّد الاختفاء عَن عينيه حتى لا يُغرقني بطلباته كطفلٍ صغير؟

أأُخبِرهم أني ضَجرتُ منه حتى فكّرتُ في قتلِه؟-

-لكن أنا لَم أقتله... لَم أجعل البيتَ منفذَ تياراتٍ هوائية، ولَم أحرِص على إطعامه المَقليات، ولا أكثرتُ المِلح ولا السكّر في طعامه... اهتمامي بنظافة البيت بَقي كمَا كان... أنا لَم أقتله! قرّرتُ ذلك، نعم، لكني لم أقتله! أنا فقط كرهته؛ ثم أهملته وتجاهلته... اعتبرتُه ميتا بالِفعل فَمات... فهل يقتُل التجاهل أو الكُره والإهمال؟

أني الآن في أشدّ لحظات حزني وألَمي... وأشدّ ما يوجعني ويقضُّ مضجعي هو هذا السؤال اللّعين؟! 

تُرى كَيفَ ماتَ أبي؟!
....................................................................................................................................................
إيمان سعيد حسن سعيد.

تاريخ الميلاد- 21-2-1982

العمر – "35سنة "

حاصلة على ليسانس حقوق جامعة المنوفية عام 2004

البلد / المدينة / مدينة القناطر الخيرية - محافظة القليوبية - جمهورية مصر العربية-القليوبية

البريد الإلكترونى emanrashed1616@gamil.com

المركز الثالث
أنا البيضة
إيمان سعيد حسن سعيد

كان ردها صادما، حين سألتها: أريد التقديم للخدمة العامة.

أجابتني: لكن يبدو أن سنك كبير, لم تأخرتي؟...

وعادت للحوار مع زميلة المكتب المجاور لها، إشارة لي بالجلوس أمامها, جذبت كرسي وجلست في مواجهتها، راحت تخبرني عن الأوراق المطلوبة، لم أكن أسمعها، فقط اهتممت بتلك الخطوط والتجاعيد التي غزت وجهها، رحت أفكر: كم خطا فى وجهي يوازى تلك الخطوط المرسومة، تحت عينيها وزوايا فمها؟ 

تحسست وجهي هامسة لنفسي: لهذا الحد يظهر العمر على وجهي؟!

استقليت تاكسي، مازلت صامتة، أفكر في كلماتها، هل غضبت من ردها الصادم أم أنها وضعت يدي على شيء لم انتبه له بعد؟

قطع شرودي ذلك الأشعث، متسخ الجسد، يخرج من فمه وأنفه سائل، يقف على قارعة الطريق عاريا وقد انتصبت عورته مما جمع حوله الناس ليستروه, تعلقت عينيّ بذلك المنظر.

عدت بأبنائي من المدارس, تمسكوا بالذهاب والمبيت عند جدتهم معللين: اليوم آخر الأسبوع. وجدتها فرصة، في صعودي لسلم العمارة، جاءني صوتها وهى تتحدث لجارتها أمام الشقة: يا أختي الراجل ما بيرضاش، أنام بجانبه على السرير، غير وأنا لابسه قميص نوم. وذيلت الكلمة بضحكة مائعة. دخلت الشقة، أودعت الصغيرة في سريرها، وأسرعت نحو المرآة، باحثه عن تلك الخطوط، التجاعيد، ذلك الأشعث، جارتي المائعة, جاءني تليفونه:

-آلو...

-آتي مبكرا اليوم. 

مر الوقت سريعا أمام المرآة، وأنا أطالع وجهي وذاكرتي، ذهبت للمطبخ انتهيت من إعداد الطعام، تجهيز السفرة, عدة للمرآة هامسة لنفسي ليس لدى تجاعيد, ما زلت صغيرة ,أخرجت فستان سهرة, انتهيت من تجهيز حجرتي لم أنس المفرش الحرير, يحبه كثيرا, دق جرس الباب, فتحت الباب على عجل....

تأخرت كثيرا, حمدا لله على.....لم أكمل الكلمة، قاطعني-

-أين هنا؟

نامت.-

-قلت لك كثيرا لا أستطيع النوم دون رؤيتها وأخوتها.

-ممكن إيقاظها, إذ أحببت .

انتهى من تناول العشاء أسرع مما كنت أريد، وماذا كنت أريد؟ 

دخل غرفة الصغيرة، داعبها حتى أيقظها، حملها لغرفتي بعد أن هللت له: بابا جه. 

ألقاها على السرير الأسفنجي، علت ضحكاتها ثم جلس بجانبها، أمطرت وجهه بالقبلات، وهي تطلب منه أن يلعب معها -البيضة- تمسك بأصابعه وتقول: دي بيضه، دي قشرها. ثم تغرس أناملها في بطنه وتقول: ودي أكلها.

يضحك كثيرا ويقبلها بعنف....

اعتدل على السرير وأمسك بكفها، سألته:

لم أيقظتها؟ أنا انتظرك منذ وقت طويل، رحت أحكى له ما حدث اليوم، لم يهتم لكلامي. ضغط على خنصرها الدقيق قائلا: أدى البيضة.

لم أكن أريد سوى اهتمام, إنسان يفهمني أكثر من نفسي.

ثم ضغط على البنصر الصغير قائلا: أدي اللي اشتراها.

تقدم لخطبتي، لم أعرفه سابقا، كان رد العائلة، إنه ابن حلال بعد أن أقسمت عمتي لي قائلة: أنت محظوظة يا سلمى.

أمسك الوسطى هامسا: وأدى اللي شواها.

يوم أن ملكني, أخبرني بكل ما يريد وما لا يريد, ونسي أن يخبرني برائحة جواربه ومهملاته

. ضغط على السبابة ضاحكا: وأدى اللي قشرها

تنازلت عن كل أحلامي, طموحاتي, لم أر غيره في الكون حين جمعت كل أوراقي التي توهمت يوما، أنها ستكون مجموعات وروايات, وأكون يوما من مشاهير الكتاب.

تأهبت الصغيرة، لما سيفعله، حين غرس أصابعه وفمه في صدرها قائلا:

"وأدى اللى أكلهااااااااااااااااا"

تركها وسحب الحاسوب المحمول (اللاب توب)رابضة نحوي وأمسكت بأصابعي فقلت لها: أدي البيضة، وأدي اللي رماها.

عدت للوقفة أمام المرآة، ربما مستعرضة فستاني، ماكياجي، لكن في الحقيقة كنت أريد اهتمامه

لم ينتبه لي, جذبته شبكات التواصل الاجتماعي لعالم آخر، وكأنه جسد بلا روح، اقتربت منه مررت بأصابعي في شعره، قائلة: العب معي البيضة مثل هنا...

رد علي: متعب يا سلمى.

ذهبت لحجرة الصغيرة، أمسكت بجهازي، فتحت حسابي على الفيس بوك، كنت قد أهملت طلب الصداقة الذي أرسله لي منذ زمن، الآن وافقت عليه,، جاءني الرد عبر الرسائل

-أشكرك لقبول الصداقة.

-ممكن نتعرف, إنت مين؟

تلفت حولي مترقبة، تركت يدي على الحروف تكتب له: أنا البيضة.
.................................................................................................................................................

سيما خالد حمد صقر
أبلغ من العمر 15 ربيعاً، ولدت في فلسطين وفي مدينة جنين تحديداً. أدرس في مدرسة الجامعة للتعليم الأكاديمي وأنا الآن في الصف العاشر، أكتب القصص والقصائد منذ ثلاث سنوات وفزت بالكثير من المسابقات، مثل مسابقة هلالي فتحي للشعر، مسابقة التكية للقصة، مسابقة صلاح هلال للقصة، مسابقة القدس في وعي الأجيال الصاعدة للقصيدة، مسابقة دار الفكر العربي للقصة، مسابقة دار جولدن بن للنشر، وغير ذلك، كما أن معي دبلوم في الشعر من فرنسا 

. Seema872001@hotmail.c
المركز الرابع
علُوُ هاوية
سيما خالد

فلسطين

تتزاحم الأفكار في عقلي الذي يعجُّ بالضوضاء والصخب كلما حدّقتُ في عينيّ زوجتي ماجدة العسلية، لم يسبق لي أن كلمت امرأة غيرها لكنني أظنُّ بأنها أفطن نساء الكون وأكثرهنَّ دهاءً، فهي كما يقول من حولي"تفهمها من الإشارة" وفي الوقت ذاته تعمد للتعبير مستخدمة الإيماءات لتحقق مآربها، بين الفينة والفينة تسلم عليَّ بنظراتها المصحوبة بالدموع، لا أنكر أنَّ سلامها يستطيع هزَّ كياني مع ذلك فأنا أتجاهل رغبتها الحقيقية والكامنة بفتح ذاك الموضوع المشؤوم.

أول مرة رأيتها فيها كانت في الجامعة، لفت نظري قوامها الممشوق وطولها الفارع، خيَلَ إليَ أنها عروسٌ تتبختر بخجل، سيطرت على عقلي وأفكاري، لم أستطع نسيان ملامحها ولا لون بشرتها القمحية –كما أطلق عليها- ولا الندبة التي في وجهها فهي تزيدها جمالاً وعروبة، الندب عندنا في فلسطين قصة تروي صراعاً مع الاحتلال، لم يسبق للمشاعر أن تمكنت مني، ورحت أنكَبُ جاثماً على ركبتي أمامها خاضعاً مسلمّاً.

عجلتي التي خلقت معي بالصميم لم تسمح لي بالانتظار لكنني لا أعرف اسم الفتاة حتى، كلَّ يوم أوجه يدي النحيلتين إلى السماء أدعو الله أن تكون من نصيبي، أمي أيضاً دعت وصلت، فهي لطالما قالت لي: هداك الله إلى الخير يا بني، ورزق قلبك بحب طاهر لا يجره لغير طاعته.

ذات مرة وبينما كانت الشمس ترسل للمارة أشعتها الحارقة، صعدت للحافلة ميمماً شطر المنزل فإذا بصدفة جميلة أورقت لأجلها زهورُ الأمل وفاضت ينابيع الحب، إنها الفتاة ذاتها، جالت في خاطري فكرة، فانتظرت انتهاء جولة الحافلة، وأخذت أراقب مكان سكنها، ظلَّت تمشي وعيناي ملازمة لها ثم توارت خلف حديقة بيتها، صحيح أنها من قريتنا لكننا لسنا اجتماعيين على قدر يسمح لنا بمعرفة الجميع هنا.

عدت لبيتي، صليت ركعتين شكراً لله على مساعدتي، ورحت لأمي أقبل يديها وأستشيرها لخطبة الفتاة، تأكدنا من أنّ ذلك منزلها وانطلقنا إليه، وهكذا فتحت أمامي آفاق الحب بوصولي نبأ موافقتها على الزواج بي بعد ثلاثة أيام.

كلانا أنهى الدراسة بتفوق، هي درست صحافة وأنا درست اللغة العربية، لكنني التحقت بالجيش، مهنتي وخبرتي بالقتال أثبتت لي أنّ الأسلحة ليست الأقوى، بل لا تعتبر قوية على الإطلاق، فحب زوجتي لي ومعاملتها الطيبة جعلّها توسع رقعتها في قلبي، ما أعطاها تصريحاً لقتلي أو إبقائي على قيد الحياة، نعم أنا سمير العبادي علمٌ من أعلام الوطن، الكلُّ يحترمني ويخافني، إلا ماجدة لم تخف ومضت إلى قلبي شجاعة غير هيّابة.

حدث قبل ثلاثة أعوام، جاءت ماجدة تخبرني بحصولها على عرض من قبل "صحيفة القدس الرسمية" لنشر أعمالها الأدبية، وأنا بالطبع فرحت لأجلها ورحتُ أهنئها فهي أديبة ماهرة وتنتظر فرصة كهذه منذ وقت طويل، شرعَت في العمل وتجاهلت ألسنة الناس التي انطلقت بالحديث عني وعن سماحي لزوجتي بالعمل فهذا أمر لم تعهده قريتنا.

حبي لزوجتي والإيمان الراسخ المتولد في داخلي أنها ستحقق نجاحاً باهراً جعلني أسدد الطعنات لكل الآراء وأوجه مسامعي لاستطعام أخبار عمل زوجتي، لكن للأسف فقد تولدت لدى ماجدة حسرة كبيرة فاقت سرورها الجمّ وباشرت تختلق الحجج وتبني الخزعبلات الكاذبة محاولة إقناعي بأنها غضت نظرها عن فكرة العمل وأنا طبعاً أرفض ذلك بشدة، ظننت أن معارضتي لها ستدفعها للتقصير في عملها فضربت ظني وحطمته بنجاحٍ يتلوه نجاح، وحازت على عدد غير هيّن من الجوائز والمكافآت.

ماجدة أصبحت تترأس أكبر صحيفة سياسية وتبعاً لكوني أعمل في الجيش فلطالما زودتها بالمعلومات وساعدتها باختيار أبرز العناوين ما تسبب في وقفنا الاثنين عن العمل وتحويلنا إلى مطلوبين سياسياً، ومنذ تلك اللحظة وزوجتي لا تكف عن الإلحاح بترك فلسطين والهرب لأي قطر من أقطار العالم عوضاً عنها، أبيت مجرد التفكير باقتراحها ورحت أحدثها عن جمال الحياة هنا فما المشكلة بأن نختبئ لمئة سنة أخرى؟ لم نهرب ونحن لم نرتكب خطأً؟ كنت دائماً أمسك وجهها بكلتي يدي وأقول لها: غداً ينسانا الاحتلال ونعود لحياتنا الطبيعية وننجب الكثير من الأطفال نقص لهم بطولتنا، سنعلمهم الشجاعة والصدق، سنعلمهم الوطنية.

فتبدأ بذرف الدموع وتلازم الصمت، وذات مرة خرجت من الخربة التي نقطن فيها وقلت لجارتنا أم علاء أن تذهب لماجدة ريثما أحضر بعض الفاكهة من الحقل فلم أشأ لها البقاء وحيدة، وعندما عدت... كانت الفاجعة:

ظلام دامس غمر المكان وكأنها عاصفة جرفت المنطقة بما فيها، أجهشت بالبكاء و صحت أنادي بأعلى ما حباني الله من صوت وطفقت أقول: زوجتي ماجدة أيا زهرة حياتي أين أنت؟ فإذا بأم علاء تربت على كتفي وتقول: البقاء لله وحده.

أنا: لا يعقل كيف وأين ومتى؟

أم علاء بصوت مرتجف باكٍ: قدم الاحتلال وطاردها يقصد طرح بعض الأسئلة عليها فوقعت في الهاوية التي تبعد عنا ثلاثمئة متر، لكن إياك أن يتسلل لقلبك الأسى فلو رأيت عيون ماجدة التي تقاتل باستبسال، فضلت الموت على لمس الجنود لها واستجوابها، أعزك الله يا بني وصبرك على فراقها، والله إنَّ الله وهبك زوجة بقوة مليون رجل.

رغم هول الموقف، وإحساسي بأن كل ما في جسمي استولى عليه الشلل ركضت بسرعة للهاوية فوجدت العديد من الناس مجتمعين هناك والتفت إلي أحدهم قائلاً: ألم يكن من الأفضل لكما الهرب لدولة أخرى؟ ثم بربك أتبكي لأجل امرأة؟

وقال آخر: الهاوية هي نهاية من يتدخل بالسياسة والوطن.

مسحت دموعي واستجمعت قواي التي قد خارت وقلت: تافه من لم يقدر امرأة، ومن قال بأن بكاء الرجال عيب؟ هذه الهاوية التي لا تعجبكم أرقى من أن تصلوا أنتم إليها، والله إن زوجتي تحملت ما لم تتحمله امرأة، صبرت وثابرت، قاست كل أنواع العذاب، صحيح أن جسدها سقط في الهاوية لكن روحها حلقت برفقة كل القيم السامية في فضاء تعلن فيه بطولة فلسطينية، رحمك الله يا ماجدة يا من حولتِ الهاوية إلى أعلى مرتبة.

صورة زوجتي التي سقطت منها أثناء مطاردتهم لها هي كل ما أملكه الآن ما عدت محاكماً أو ملاحقاً فالاحتلال يمتع ناظريه برؤيتي بعيداً عن زوجتي، لكن ما لا أحد يعلمه أنها لا زالت حية، كل الآس يحمل ريحها، تعبق به أرجاء القدس، تنشره الرياح، وتتلو معه ترنيمة الانتصار، وتردد الجملة التي أسرَّت بها إليّ ألا وهي " كم كنت محقاً، والله إنَّ شهادة في أحضان الوطن خيرٌ من ألف حياة كنت سأعيشها خارجه"، كنت ألتفت لصورتها فما ألبث أن أزيح ناظري عن عينيها كي لا تؤنبني حتى باحت لي باقتناعها التام بكل ما فعلناه فلولا عملها في المجلة لما وصلت لهذه المكانة المرموق
.............................................................................................................................................
آسيا رحاحليه

مكان و تاريخ الميلاد : خلال 1963 بـخميسة / ـسدراتة ولاية سوق أهراس/ الجزائر

المؤهل : ليسانس لغة و أدب انجليزي / جامعة قسنطينة

-عضو اتحاد الكتاب الجزائريين.

- بدأت الكتابة في سن صغيرة لكنها تخصصت في الإنجليزية و اشتغلت بتدريسها لمدة 23 سنة

-تنشر في العديد من المجلات والصحف الالكترونية : ملتقى الأدباء والمبدعين العرب / المثقف / البعيد / أصوات الشمال ...

- تكريم من صحيفة المثقف بالسويد لعام 2014

- شاركت في العديد من الملتقيات الأدبية داخل الوطن .

الأعمال المطبوعة :

4 مجاميع قصصية :

-1 ليلة تكلّم فيها البحر / عن دارالهدى عين مليلة 2010 / الجزائر

2- سكوت،إنّي أحترق / عن دارالهدى عين مليلة 2012

3- اعتقني من جنّتك / عن دارالهدى عين مليلة 2014

3- تدق الساعة تمام الغياب / دار الهدى عين مليلة 2015

وبالإنجليزية :

- 1 كتاب شبه مدرسي : Be focused لطلاب النهائي ثانوي / عن دارالهدى عين مليلة /

- 2 كتاب شبه مدرسي لطلاب النهائي ثانوي ..Get ready for the Bac / عن دارالهدى

مخطوط : 

- ومضات شعرية – 

- رواية

البريدالإلكتروني assianora@hotmail.fr
المركز الخامس
الأيادي الناعمة 
آسيا رحاحليه

الجزائر

أحملق في الباب المغلق قبالتي، أحاول ترتيب أفكاري، أمرّر يدي على جبيني، أنظر في ساعتي. 

استجمع الصور في ذهني، وفي سرّي أستذكر الكلام الذي سوف أقوله.

أشعر ببعض التوتّر والارتباك ولكني لن أتراجع، لن أعدم المحاولة، هناك خطوة أولى دائما، وعلى أحدٍ أن يخطوها... ربما وجب أن يكون أنا.

هذا الصباح حسمت أمر الفكرة التي راودتني منذ شهور، سائق سيارة الأجرة كان سينعطف شمالا، كما كل يوم، عندما طلبت منه أن يأخذ الشارع المعاكس لمقر الشركة.

أتساءل فقط... هل سيصدّقونني؟ ماذا لو سخروا مني أو قزّموا القضية ونصحوني بنسيان الأمر حجج واهية مع غياب الأدلّة، وحتى لو هناك دليل فسيكون ضعفي مقابل قوّته، وضعي؟ الاجتماعي مقابل نفوذه وأمواله، تكويني الأنثوي مقابل عالم الذكورة المتجبرة الطاغية المنحازة

حين يُفتح هذا الباب، بعد لحظات، ويدعوني مفتش الشرطة للدخول سوف تبدأ المعركة. 

كان أبي يقول: مهما نكره الحرب قد تضعنا الحياة وجها لوجه مع معركة ما، وسوف نخسر إذا خضنا غمارها خائفين أو متردّدين. مسكين يا أبي، ربحتَ معركتك بعد صراع مرير مع الظلم، لكنك لم تهنأ بالنصر، سكتة قلبية أودت بك أسابيع فقط بعد غلق قضية الاختلاس التي لفقوها لك، ومع ذلك أتصوّر أنّك متّ سعيدا لأنك لم تستسلم... 

يقال: أنّ الموتى يشعرون بمآسي الأحياء. كم أحتاج لأن أؤمن بذلك لكي أتصوَرك الآن معي... تساندني!.

لست أشعر بالخوف، في أقصى الحالات سوف أخسر وظيفتي، لا يهم...لكنّي أتمنى لو كنّ معي الآن... سعاد أو نوال أو منيرة أو سمية.

اليد الواحدة لا تصفّق "... يصهل الإحباط داخل رأسي، بينما صوتٌ واثق، يهزّني " ولكنها تصفع.!" 

كأنّه صوت أبي ؟!

سمية لم تأت...خذلتني. لا فائدة ترجى منها، حاولت جعلها تغيَر رأيها، أرسلت لها عدَة رسائل قصيرة منذ ليلة البارحة، لم ترد. أعرف موقفها.

قالت لي بصريح العبارة: لا تنتظري مني أن أكون معك. وتلعثمت ... هو...هو لم يفعل شيئا... مرة واحدة، أو مرّتين، لا أذكر، لمسني في...في صدري... فقط. 

و أشاحت بعينيها عن نظراتي.

كنت أعرف أنها تكذب.

-فقط ؟! صرختُ فيها لحظتها.

-ماذا تنتظرين أن يفعل ؟. لم تقل شيئا، تركتني أصارع غضبي واستدارت نحو مكتبها... أعرف أنّ الخوف يمنعها، لا تستطيع أن تغامر بوظيفتها وسمعتها...من سيعيل والدتها المقعدة وإخوتها الصغار؟

الخوف يمنعهنّ جميعا... الخوف من الناس تحديدا.

منيرة قالت لي: ماذا سيقول الناس؟

نوال أيضا.

الناس...الناس... هل سيمد الناس لك أيديهم وأنت تغرق في الوحل ؟

لا أدري لم لا تكون الأمور كما تبدو، أو كما نتمناها ونحلم بها. 

من كان يصدّق أنّ ذاك الخمسيني الوسيم الأنيق هو في الحقيقة رجل متصابي، يعيش أسير أهوائه وغرائزه الحيوانية... أراد أن يمارس اللعبة نفسها معي غير أنّ الحظ لم يحالفه، غرّته ابتسامتي الخجولة ولم يدر بأنّ وراء ملامحي الجميلة الناعمة ومظهري الهادئ الوديع متوثّبا وعقلا حرونا لم يعوّدني أن أخونه. 

أتذكَر البداية بالتفصيل، دخلت مكتبه في صبيحة يوم ربيعيّ مشرق، وكان قد مرّ أسبوع على التحاقي بمنصبي الجديد، كنت أنوي ترتيب بعض الملفات في الخزانة، عندما باغتني قائلا:

. دعي الملفّات مكانها، أنا سأرتّبها عنك-

ثم أضاف وهو يشير إلى يدي بحركة من رأسه: 

! -هذه اليد الناعمة لم تخلق سوى لتقطيع الكعكة 

رفعت يدي عن الملفات، نظرت إليه، تمتمت بكلمات شكر، ثم حملت دهشتي وخرجت من مكتبه وأنا أشعر بشيء من الزهو.

لا توجد أنثى لا تسعدها عبارات الإطراء والثناء.

في الرواق وقفت مذهولة، أقلّب يدي، أنظر فيها كأنّي أكتشفها لأوّل مرّة.

هذه اليد ؟ يدي ؟ لم تخلق سوى لتقطيع الكعكة ؟ وأنا التي عانيت، ومازلت، من حمل المكنسة وتقطيع الثوم والبصل ؟!

يا له من رجل ! يا لسحره ! تقطيع الكعكة ؟! كنت أحسب أنني فزت بمنصب أحسد عليه في شركة كبيرة! 

قبل ذلك اليوم، كان قد وصلني كثيرٌ من الهمس حول أناقة المدير وسحر حديثه ووسامته، ولأنّه دائما، في كل مكان عمل، يزوّدك موظف ثرثار -عادة يكون امرأة - بالأخبار والأسرار، فقد تطوّعت، عن طيب خاطر، موظفة مسينَة، دميمة الوجه، لتخبرني بأنّ المدير لم يفصل السكرتيرة التي كانت قبلي بسبب ارتكابها خطأً مهنيا لا يغتفر، كما يشاع، وإنّما لأنها غبية

ثم قالت لي وهي تغمزني بطرف عينها وتبتسم بخبث: لا تكوني غبية مثلها.! 

لم أستوعب قولها، ولكني لم أهتم. 

غير أنّ الأيام التي تلت كشفت لي عن مفهوم الذكاء عند دميمة الوجه! 

أن أكون ذكية معناه أن أتغاضى عن ملامسة يده ليدي أو كتفي أو ذراعي، أو خدّه يكاد يلاصق خدّي، أو أنفاسه تفحّ في وجهي وهو ينحني بحجة توقيع أوراق فوق مكتبي. 

الذكاء أن أوافق على البقاء برفقته خارج أوقات الدوام، أن أقبل هداياه ودعواته للخروج، بل وأقنع نفسي بأنّ ذلك من صميم العمل، وربما يدخل في منحة المردود المهني.

و بدأت أختنق وأنا أحس بشرنقته تلتف حول عتقي، وحصاره يدكّ حصون عقلي.

و عبثا كنت أبدي نفوري من تصرّفاته، واشمئزازي من عباراته المبطّنة وتعليقاته الشهوانية ونظراته الجائعة التي تلاحق حركاتي وسكناتي... ظل يحاول إغوائي، متماديا في رعونته ونزقه، لا يفهم ولا يرعوي.

و كان أن فقدت أعصابي تماما عندما تطوّر الأمر ليصبح التلميح تصريحا، بل تهديدا واضح اللهجة.

أحملق في الباب. أفكّر في ما أنا مقدمة عليه، أشعر بالقلق. وقعُ خطوات أنثوية يشوّش تفكيري وإيقاع كعب عالي يزيد من توتّري... يفقدني التركيز تماما.

و... تشهق الدهشة في صدري.

أمدّ يدي... أمسك بيدها. أضغط عليها بشدّة......

ناعمة ودافئة. تسرّب دفئها إلى قلبي...

و كأنّما أحسّت تململ القلق في نظرتي، فانحنت سميّة برأسها على كتفي و... في أذني بصوت خفيض.. : لا تقلقي. الدليل معي.






























تنويه: الاراء الواردة أو الاسلوب والنمط المتبع في سرد تفاصيل الموضوع لا يعبر بالضرورة عن رأي أو السياسة الخاصة بوكالتنا (وكالة خبر الاعلامية)
يرجى اخبارنا في حال وجود مخالفة او تصحيح او انتهاك حقوق نشر (بعد تقديم ما يثبت ذلك) عبر التواصل معنا