المثقفون والسلطة.. مقال بقلم: د. محمد ياسين صبيح

وكالة خبر الاعلامية

المثقفون والسلطة.. مقال بقلم: د. محمد ياسين صبيح

وكالة خبر | مقالات

وكالة خبر - أدب -

المثقفون والسلطة
د. محمد ياسين صبيح

قبل الخوض في موضوع المثقفين والسلطة، سنعرض بعض التعاريف للمثقف، حيث أننا لا يجب أن لا نلصق كلمة مثقف بنخبة معينة فقط، لأن المثقف إنسان عادي يخطئ ويسئ التصرف، ويمكن أن يثير الفتن والنعرات بأعماله أيضا".

إن سبب تنوع تعريفات المثقف، ناتج عن الانقسام الذي حصل في أوروبا بعد الثورة الفرنسية، بين متحمسين لمبادئ الثورة، بتغيير البنية الاجتماعية والسياسية التقليدية، وبين رافض مطلقا" للتغيير باسم الاستقرار الاجتماعي، والحفاظ على نظام قيم الأخلاق التقليدية، التي كانت تشرف عليها المؤسسة الدينية. وهكذا أصبح المثقفون يبحثون عن التغيير الجذري السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وينتقدون الطبقة الدينية، وهذا ما أدى لاحقا" إلى التغيير الكبير الذي حدث في المجتمعات الأوروبية.

أما في المجتمعات العربية، فقد انقسم المثقفون، بين تيار الأصالة والحداثة، والتعصب للثقافة القومية واليسارية بكل أطيافها، وما بين الحفاظ على الثقافة الإسلامية والتقليدية، وفي الحالتين فرضت السلطات السياسية مناهجها على المثقفين، كي ينخرطوا بها وأصبحت الإشكالية كبيرة جدا". يقول الدكتور جورج قرم(1)، (تميل السلطة بشكل طبيعي إلى الحفاظ على الاستقرار عبر فرض نظم قيم، ومنظومة معرفية لا تقبل إدخال التغيير عليها، مما يسبب الجمود والانحطاط)، فما حدث في أوروبا القرن الثامن عشر والتاسع عشر، لم يكن هو نفسه في البيئة العربية، لأن الأنظمة العربية حاولت جاهدة تدجين المثقفين، كما يوجد لتعريفات أخرى للمثقف منها تعريف الدكتور ادوارد سعيد(2)، ( المثقف هو من لديه أفكارا" يعبر عنها لغيره وأن تكون متمسكا" بقيم عليا مثل الحرية والعدالة ). ويعرفه الدكتور قرم(1)، (بالمثقف صاحب العلم، الذي يزيد بأعماله الفكرية وأبحاثه من معارف الأمة، سواء في العلوم الدقيقة أو العلوم الإنسانية، دون تبعية، وباستقلال ذهني وإدراكي كامل). إذا" في جميع الأحوال المثقف هو من يقوم وبكامل حريته بالمساهمة في دفع عجلة التطور، من خلال إسهامه في إبداعات إنسانية وأدبية وعلمية مختلفة، وأن لا يكون الغائي، أي يعتبر نفسه هو الصحيح ورأي غيره خطأ. وبشرط أن لا أن يركب قطار السلطة ويصبح مروج لها ولأفكارها. ويؤمن بأن المجتمع يتسع لجميع الأفكار.

لقد تواجد في القرن العشرين وعلى مدى اتساع الوطن العربي مفكرين، يبررون كل أفكار وهواجس السلطات السياسية، من خلال نبش التاريخ وتفسير أحداثه، وترجمة صيرورته كما تريد السلطة السياسية، كما قاموا بقراءة الحاضر، وخلق رؤى وتصورات وأفكار ثورية وهمية، لكي يقوموا بغسل دماغ أحادي ، وفرض سيطرة الأمر الواقع على المجتمع. حيث تدرك السلطة تماما"، بأن لا سلطة لها ولا مشروعية ولا إخضاع للمجتمع المدني، ولا يمكن أن تكرس سيطرتها إلا بامتلاك السلطة الثقافية. ومن هنا يأتي تدخلها المباشر في كل المفاصل التي لها علاقة بالثقافة، من وزارة ثقافة ودور نشر وجمعيات وأحزاب وغير ذلك. بالمقابل سعى في الطرف الأخر المعارضون إلى نفس الأسلوب الاقصائي أيضا"، فقد سعوا دائما" لإثبات أخطاء نظرائهم الموالين وبالتالي حاولوا بذلك ترسيخ فلسفتهم وفكرهم الاقصائي أيضا"، فكلا الطرفين كان يحاول إقصاء الأخر كما فعل الماركسيين واللينينيين في دول أوروبا الشرقية، وكما يحصل في دول العالم الثالث بشكل عام والدول العربية بشكل خاص. فأن تكون مثقف في دولة ما، فسيكون مسموح لك أن تخوض في أمور حياتية ليس لها علاقة بالسياسة،

مثل أن تقول رأيك بالثأر أو بعلاقة التربية وتقدمها أو كأن تقول بأننا يجب محاربة الجهل والتخلف ولكن لا نبين كيف حقيقة، بل تقول بأن السلطة هي من تحاول، والشعب يعاند التعلم والفهم. وهكذا، أي أن تفسر وتفلسف كل شئ بعيدا" عن السياسة، وأن تمدح مواقف السلطات السياسية وتمدح انجازاتها، التي باستمرار تعتبر خارقة، وكأنهم يخترعون فيها كل شئ، أوكأن لا أحد غيرهم يقدم مثل هذه المكرمات. وانخرط مثقفوا السلطة في آلية السلطة الطاحنة والتي هي عبارة عن دولاب أو خط سير يسهل عمل الطاحون، فهم يقومون بتبرير كل فعل سلطوي ، وعند حصول حالات فساد كبيرة، تجدهم لا يحركون ساكن، وطبعا" لأسباب تتعلق بمكاسبهم ويمكن لأمنهم حتى، بل يكونون مستعدين لتبرير ذلك. كما أن المثقف عندما ينخرط في مقولات أيديولوجية، أو أفكار سلطوية فانه كما يقول محمد الدوهو(3)، ( فانه يعبر عن أيديولوجية الجماعة التي فوضته ليقول ما حددته له ليقوله). إذا" هو مثقف أيديولوجي سواء كان يتبع لسلطة أيديولوجية معينة أو لأيديولوجية حزبية معينة، ففي الحالتين هو يكون مرتبط برباط فكري لا يمكنه الفكاك منه، ولا يمكن أن يعبر عن الكثير عن القضايا بشكل حيادي دون أي مصلحة ذاتية.

إذا" التناقضات التي ظهرت في المجتمعات العربية ما بين مختلف التيارات السياسية، وبالتالي الثقافية التي تتبعها، انعكست سلبا" على المجتمع ، حيث أوقعته في تناقضات كبيرة، مما سهل سيطرة الجهل والتخلف والعشوائية في اتخاذ القرارات، دون أدنى دراسات علمية، واقتصادية صحيحة، أدت إلى مزيدا" من التخبط في السياسات العامة للدولة، وكان المطلوب من المثقفين كالمعتاد تبرير، كل ذلك بل اعتباره انجازات عظيمة.

وللأسف الكثير من المثقفين، شكلوا انقساما" حادا" في المجتمع ما بين الثقافة اليسارية والاشتراكية، وما بين الثقافة القومية، والثقافة الدينية ، والثقافة الليبرالية. إن هذا التقسيم السياسي للسلطة، انعكس على التقسيم الثقافي وهو جائر بحق الثقافة، فهو يفقدها توازنها، ويحيدها عن هدفها السامي ، فمبدأ إما أن تكون معي أو تكون ضدي ليس مبدأ إبداعيا" ثقافيا"، بل هو مبدأ اقصائيا"، شموليا". والثقافة تخص كل الناس ومن مختلف المشارب ، والفئات. فهي حالة إبداعية تعبر عن ضمير الكاتب أو المبدع، وتعبر عن واقع وظروف موضوعية معينة، ولمجتمع معين. فلماذا إذا" نلبسها لباس الأيديولوجيا، الذي سيذهب روحها ومعناها، وتصبح خطابا" سياسيا" لا أكثر. ويكون دور المواطن هو ترديد شعارات فارغة وبدون معنى حقيقي، أوصلها له المثقفون والذين كانت مهمتهم تمييع المصطلحات وتمييع الأزمات، وتمييع الأسباب، وهكذا يستطيع أن يعيش المواطن حسب تصورات السلطة ، في أجواء ثورية.

إن حالة الكبت التي ولدتها السلطات السياسية العربية، تجاه المثقفين الرافضين الانضواء تحت لواء أيديولوجيات السلطة، ولدت حالة من الكبت والاحتقان المجتمعي، وإلى تغييبهم القسري عن الساحة الثقافية والسياسية ، مما ولد فراغا" كبيرا" كان يفترض أن يشكل حالة رفض مدني عقلاني وديمقراطي، تعبر عن هموم وملاحظات الناس وعن مشاكلها في كل المجالات، وفي هذه الحالة السكونية والحساسة وجدت الحركات الإسلامية المتطرفة ملاذها، من خلال بناء شبكة علاقات واسعة، استطاعوا من خلالها الترويج لأفكارهم، وبناء تنظيمات سرية نوعا" ما، أصبحت مع الزمن تعارض سياسات السلطات السياسية، وتطرح نفسها كبديل صالح، مما أعطاها دفعا" كبيرا" ، وشعبية كبيرة، وذلك ليس لأن بالضرورة الناس توافق على أفكار هذه المجموعات بل لأنها الوحيدة التي استطاعت التعبير عن هموم الناس، والقيام بدور المعارضة وكل ذلك بغياب المثقفين سواء بدخولهم لعبة الموالين للسلطة السياسية ، أو لعبة التعارض مع السلطة السياسية ، مما جعل السلطة تدخلهم السجون أو اضطروا للخروج خارج البلاد. لأنهم بالأساس لا يمثلون أحزابا"، وبالتالي تأثيرهم كان ضعيفا". يقول الأستاذ عيد عبد الحليم(4)، في ظل تراجع الديمقراطية وسيادة الأفكار الظلامية تحول المثقف من حالة الفعل إلى رد الفعل، ومن المواجهة إلى التقية أحيانا"، وهي ظاهرة بات السكوت عليها جريمة لا تغتفر في حق الثقافة العربية.

بجميع الأحوال لسنا هنا لنبرر لما يحصل في العالم العربي، ولكن تشخيصنا لحال المثقفين يجب أن يكون دافعا" لنا للعبور إلى شاطئ ثقافي جديد ، نبتعد فيه عن الاصطفافات الأيديولوجية المنغلقة، والتي تحوي بذور الأزمات في داخلها، لأنها عاجزة عن تطوير نفسها بعد سنوات معينة، وأن ينخرط المثقفين في إبداعاتهم المهمة في مختلف المجالات، دون الاقتتال على الخلفيات السياسية، التي لا تجدي نفعا"، بل تزيد من تخبط المجتمع أكثر في دوامة من المراوحة في المكان. ولكن ذلك يتطلب تحول سياسي حقيقي باتجاه دمقرطة المجتمع ، مما يعطي إمكانية مشاركة كل المثقفين في العملية الإبداعية، يقول أيضا" عيد عبد الحليم(4)، أنه رغم كثرة دعاوى الإصلاح، والتي يتخذ معظمها منحى شكليا" دون التوغل في عمق اللحظة اجتماعيا" وثقافيا" وسياسيا" قد أصبح واضحا" غياب الحرية الفكرية. من هنا نرى أن التحول السياسي الصحيح هو المدخل الأساسي لحياة إبداعية وثقافية صحيحة ولنشؤ فترة تعايش حقيقية بين مختلف مكونات المجتمعات.

نرى أنه حتى تصبح الحالة الثقافية، حالة صحية ومعافاة، يجب أن يكون المجتمع أيضا" بخير، أي أن تخلق السلطة السياسية أجواء وبيئة مناسبة، للعملية الإبداعية والتي هي بالدرجة الأولى الحرية، وذلك دون تهميش أو إقصاء ودون فرض أية أفكار أو اشتراطات تقيد العملية الإبداعية.
تنويه: الاراء الواردة أو الاسلوب والنمط المتبع في سرد تفاصيل الموضوع لا يعبر بالضرورة عن رأي أو السياسة الخاصة بوكالتنا (وكالة خبر الاعلامية)
يرجى اخبارنا في حال وجود مخالفة او تصحيح او انتهاك حقوق نشر (بعد تقديم ما يثبت ذلك) عبر التواصل معنا