الدكتور نجم عبدالله يكشف خفايا جائزة البوكر العربية

وكالة خبر الاعلامية

الدكتور نجم عبدالله يكشف خفايا جائزة البوكر العربية

وكالة خبر | أدب وفنون
وكالة خبر - أدب-

جائزة البوكر العربيةهذا العام.. وكل عام


د. نجم عبدالله كاظم 

يأتي هذا المقال استجابة لتساؤلات كثيرة عن الجائزة العالمية للرواية العربية المعروفة بـ(البوكر العربية). وقد راعيت، في ذلك، عدم الدخول في ما لا تسمح به الأخلاق الأدبية والالتزام تجا
يقترب قليلاً من هذا الذي نأخذه على كتابات بعض المثقفين عن الجائزة، بعضُ من كتب فعلاً هذا العام دون أن يتجشم (عناء) معرفة شيء من طبيعيتها وفلسفتها وأهدافها وإجراءاتها وسياقات عملها. فتكلم الكثير منهم عما يصفونه بالأهداف المشبوهة للجائزة مثل الإضرار بالرواية العربية، وتشويه العرب، وتسويق القيم الغربية، ونشر غسيلنا.. إلى غير ذلك، مما يقولون أنه يتم وفقاً لتوجيه القائمين على الجائزة. فهنا يفوت هؤلاء أن أحد أهم مبادئ الجائزة، التي تقترب تطبيقاً من تكون قوانين، هو عدم جواز إجراء أي اتصال بين أي من أعضاء مجلس الأمناء بأي عضو من أعضاء لجنة التحكيم قبل الكشف عن أسماء اللجنة إعلامياً مع الإعلان عن روايات القائمة القصيرة. وهكذا تروْنني مثلاً، وأنا أحد أعضاء لجنة تحكيم هذا العام، قد انقطعت عن الاتصال بصديقي الدكتور رشيد العناني، من حوالي عام بسبب كون العناني عضواً في مجلس أمناء الجائزة.
ويعكس عدم المعرفة هذا بالجائزة ما كتبه أحد الكتّاب في صحيفة عربية بريطانية، فوقع في خلط وأخطاء، لاسيما في ما يخص لجنة التحكيم، مما كان ممكناً جداً تجنّبها لو أنه كلّف نفسه (عناء) البحث السريع على الشبكة العنكبوتية ليجد تعريفاً فائضاً بكل من هؤلاء الأعضاء، وليكتشف، في النتيجة، أن الرواية كتابةً والأهم نقداً حاضرةٌ في سِيَرهم، مع أن الجائزة، البريطانية الأصلية ونسختها العربية، لا تستلزم، وفق طبيعتها وأهدافها، كما سنأتي بعد قليل، أنْ يكون أعضاء اللجنة روائيين. ولا ندري من أين أتى الكاتب بفكرة أن المحكّم يجب أن يكون روائياً، وما المنطق في هذا؟، علماً بأننا لا ندّعي أنّ اعتماد روائي محكماً خطأ، بل ليس شرطاً، والأهم أن تضم اللجنة ناقداً واحداً على الأقل للرواية، وهو ما كان فعلاً، وأن تضمّ قارئين للرواية، وهو مما توفر للجنة فعلاً، كما من المفيد جداً، ولكن ليس من الواجب، أن تضمّ روائياً وقد ضمّت الرواية أكثر من عضو كتب الرواية، كما قلنا. هذا كله، وغيره ليس بالقليل، يدفعنا إلى التعريف بالجائزة وبما يتعلق بها من لجنةِ تحكيمٍ ومعايير وقائمةٍ قصيرةٍ وقائمةٍ طويلةٍ وروايةٍ فائزةٍ. 
( 2 )
البوكر جائزة أدبية بريطانية عالمية تُمنح لأفضل عمل روائي مكتوب بالإنكليزية يصدر في المملكة المتحدة وإيرلندا ودول الكومنويلث التي تزيد على الخمسين بلداً. ومن المفيد أن نشير إلى أن هناك جوائز عالمية عديدة تشبه البوكر، مثل جائزة غونكور الفرنسية، كما أن هناك جائزة تفرّعت من البوكر واسمها (بوكر المؤلف أو الشخصية) وتمنح لا لعمل روائي بل لروائي على مسيرة كتابته للرواية. كما تفرّعت عنها جائزة روسية وأخرى أفريقية وأخيراً عربية، وهي التي تعنينا، ويُفترض، بل يجب أن تتّبع نظام الجائزة الأم بالطبع.
من الأمور المهمة التي سينبني عليها الكثير، أن الترشيح للجائزة يتم، لا من كتّاب الرواية ولا من نقادها ولا من أكاديميين، بل من ناشرين يريدون الترويج للرواية. في النتيجة، لا تُختار الروايات المرشحة للجائزة بالضرورة بوصفها الأفضل، وعليه فهي تحضر أمام لجنة التحكيم بوصفها الواقع الموجود، وعلى هذا تنبني بعض طبيعة القائمة الطويلة، التي تضم أفضل (16) رواية من هذا الموجود، وبما يعني أن بعضها قد يكون متميزاً وبعضاً آخر منها يكون جيداً وواعداً مثلاً، وربما دون ذلك، وفي كل هذه الأحوال يتم منها اختيار القائمة القصيرة، التي هي ست من الـ(16). ولأن واحدة فقط من هذه الروايات الست هي التي تفوز يتم اختيار أفضلها، بالإجماع أو بالإكثرية، لتحصل على (50) ألف دولار، بينما تُكرم البقية بعشرة آلاف دولار لكل منها، لأنها جميعاً تستحق الفوز أصلاً. 
ولأن الهدف من الجائزة هو تشجيع الكتابة الروائية ودعم الكتّاب والأهم الترويج للرواية وزيادة مبيعاتها، كان ضرورياً أن تستجيب لذائقة القرّاء مما يعني أنْ لا تكون المعايير النقدية هي الحاكم الأساس، مع صحة وحتمية حضورها بالطبع. وإذا كان هذا يشكل جزءاً من فلسفة الجائزة، فإن تكملة هذه الفلسفة تكمن في أنها لا تستهدف فئةً أو نوعاً أو نمطاً معيناً من الروائيين، بل هي مفتوحة على كل أنواع الكتّاب، متمرسين، وشباباً، وجدداً، وكبارَ عمْرٍ، وغيرهم. ومن هنا كان طبيعياً أن يقوم مجلس أمناء الجائزة بتشكيل لجان تحكيمها من تشكيلة منوّعة من المثقفين، نقاداً وأكاديميين وفنانين وصحفيين ومكتبيين بل حتى قراءً مثقفين، ومن خلفيات وأعمار مختلفة ليكونوا الأضمن تمثيلاً للقراء وللذائقة. وهو ما تفعله جائزة البوكر البريطانية الأم، كما يمكن أن نرى ذلك في بعض محكّمي آخر خمس لجان، وهم: مذيع (38 سنة)، صحفي (43)، روائية (45)، أكاديمي (48)، مذيع وممثل (37)، راقصة وكاتبة (45)، ناقد (44)، محرر ورئيس تحرير (40)، أكاديمي وناقد (55)، أكاديمية (43)، مؤلفة قصص وسِير (68)، سياسي وعضو برلمان (61).
وتعلقاً بهذا، يكون غريباً أن يرى أحد المثقفين عن الجائزة "أنها لا تمتلك فلسفة واضحة حتى الآن... لأنها تُمنح مرة لكاتب كبير، ثم تمُنح في عام آخر لكاتب شاب أو جديد". فلا نعرف أين الغرابة في هذا؟، وما علاقة هذا بفلسفتها؟ ولكن إذا ما ذهبنا معه في رؤية هذا على أنه فلسفة، فأليس كونها مبنية على خليط من آراء أعضاء لجنتها ذوي التخصصات والمشارب المختلفة فلسفة؟. وأليس في كونها تُمنح لأفضل عمل بمعزل عن تصنيف مؤلفه وتاريخه وعمره فلسفة؟، وهو مرة أخرى ما يعكسه آخر بضعة فائزين بجائزة البوكر البريطانية، وهم: فلاناغان (53 سنة)، كاتون (28)، مانتيل (60)، بارنيس (65)، جاكوبسون (70)، مانتيل (58)، أدايغا (35). 
في الردّ على تساؤلات البعض، غير البريئة غالباً، عن المعايير التي اعتمدتها لجنة التحكيم هذا العام، نقول إن كل ما يخطر في بال قارئ الرواية والمختص بها من معايير قد اندرج عملياً في قراءات أعضاء اللجنة للروايات بهذه الدرجة أو تلك، ولكن من طبيعة جائزة البوكر أنها لا تضع معايير مسبقة تُفرض على أعضاء اللجنة، المتنوعي المشارب. وهنا أشير إلى بعض هذه المعايير التي اعتمدَها جميعاً أو بعضاً كلُّ عضو في اللجنة، وكادت تحضر جميعاً في كل مناقشات اللجنة: الموضوع والأفكار، وكيفية المعالجة، والرؤية والموقف، والإقناع والإيصال، والشخصيات ونموها وامتلاكها الحياة والإقناع، والحبكة والنسق البنائي، والبداية والنهاية، والتقنيات، والمكان والزمان وتوظيفهما، والأسلوب، ومناسبة اللغة مع السرد، والتكثيف والإيحاء، والحوار، والجدة والتجريب، وخرق المألوف، والسلامة اللغوية، والإمتاع.
( 3 )
حول ما أُثير من تساؤلات عن طبيعة الروايات المرشحة لهذا العام، وعن صعود عدد ملفت للنظر من الروايات النسوية، وعن خلو القائمة القصيرة من روايات أقطار عربية بعينها، ولاسيما مصر، والعراق، ودول الخليج، نقول بدءاً إن (180) رواية قد ترشّحت للجائزة. وإذا كان طبيعياً أن تتنوع، وهي بهذا العدد الكبير، موضوعاً وفناً وطولاً ومستوىً ومؤلفاً وجنساً، فإن ما لفتَ نظري إليه هنا، أن عدداً منها كان ضعيفاً إلى درجة كبيرة قد تصل إلى حد السذاجة والبدائية، بل أنّ العديد من هذه الروايات الضعيفة، و(الجيدة) أيضاً، وقد انحسرت فيها السلامة اللغوية، بل غادرتها أحياناً، وبعض ذلك يعكس لا جهلاً باللغة فحسب، بل أهمالاً لا أستطيع أن نجد له تعليلاً. كما كان بعضها، في اضطرابها وتشوّشها وارتباكها بناءً وتقنيةً، مُتعبة ومعذّبة لقارئها، وإني لأستكثر عليها ما صرف من مال وجهد على طباعتها، بل من طريف ما اكتشفته شخصياً، وقد شاعت (موظة) الطبعات العديدة، أن من النادر أن تجد رواية بطبعات عديدة ليست ساذجة أو على الأقل ضعيفة. إزاء هذا الواقع السلبي أتمنى من مجلس الأمناء أن يُراجع طريقة الترشيح لتخفيف حدّته، كأن يُلزم الناشر بشيء ما، أو أن يقلل عدد الروايات التي يحق لكل ناشر ترشيحها من ثلاث روايات إلى روايتين مثلاً.. إلى غير ذلك من حلول. وعلى أية حال، يبرز مقابل هذه الفئة الضعفية من الروايات، عدد ليس بالهيّن من الروايات المتميّزة التي لم تقتصر على ما وصل إلى القائمتين القصيرة والطويلة. 
على علاقة غير مباشرة بهذا كله، لفتت نظري ظاهرة هي في حد ذاتها إيجابية، لكنها في بعض الروايات تحولت إلى عبء وإضعاف لها، نعني خرق الممنوعات أو المحضورات (التابوهات) في السياسة والدين وأكثرها الجنس، فمما يُحسب لأي كاتب أن يفعل ذلك، ولكن بشرط أن يأتي هذا مبرّراً موضوعياً وفنياً، أي بدواعي العمل الذي يرد فيه، وهو ما تحقق فعلاً في العديد من الروايات ومنها بعض الصاعدات إلى القائمة الطويلة، ولكن مع وجود ما افتقد ذلك في روايات أخرى، ففقد الجنس مشاهدَ وتعبيراتٍ، مثلاً، التوازن والموضوعية.
أما (ظاهرة) عدم صعود روايات مصرية وعراقية وخليجية إلى القائمة القصيرة، فتُعيدني إلى ما قلته من أنه ليس بالضرورة أن يكون كل عضو من أعضاء اللجنة، وأنا منهم، متفقاً على جميع ما صعد إلى القائمة القصيرة، ومن قبلها القائمة الطويلة، مما يعني صحة أن يرى بعضُهم استحقاق روايات غير صاعدة، وضمنها مصرية وعراقية وخليجية، للصعود، وعدم استحقاق روايات أخرى صعدت، لهذا الصعود. ولكن هذا، كما قلت، لا يعني بالضرورة أن هناك خطأً إجرائياً أو نقدياً في ما تم اختياره، بل هو اختيار قائم، كما قلنا، على الإجماع أو الأكثرية لأعضاء لجنة التحكيم المتوّعي الشمارب. الأهم أن الاختيار تم بمعزل عن الكاتب وجنسيته وجنسية الناشر، ولهذا ليس غريباً أن لا تتّفق لجنة تحكيم، بين أعضائها مصري وعراقي وخليجي، على روايات من هذه الأقطار. وعلى أية حال، لقد صعدت روايات من هذه البلدان إلى القائمة الطويلة، وليس أمراً كبيراً أن لا تصعد إلى القائمة القصيرة. 
أما عن النساء، وقد ضمّت القائمة الطويلة والقائمة القصيرة عدداً من الروايات النسوية هو الأكبر من كل الدورات السابقة، فأظنه متأتّياً مما تشهده الرواية العربية، لاسيما خلال العقدين الأخيرين، من صعود ملفت للرواية النسوية، وإني لأتوقع أن يزداد عدد الروايات النسوية في الدورات القادمة، مع عدم استبعاد ما قد يكون للصدفة من دور في هذا.
بقي أخيراً رأيي بالنتائج النهائية لجائزة هذا العام، فأقول، إضافة إلى ما سبق التعبير عنه صراحةً وضمناً: اختلف تقييماً حول بعض روايات القائمة الطويلة والقائمة القصيرة، لكنه اختلاف طبيعي ويمكن أن نجده عند كل عضو، وكما هو الحال في لجنة تحكيم كل جائزة. بمعنى أنْ ليس هناك من عضو راضٍ كل الرضا عن القائمة الطويلة ولا عن القائمة القصيرة، وما يحسم الاختيار هو الإجماع على عدد من الروايات والتصويت وتأييد الأكثرية لروايات أخرى، وهذا برأيي أمر طبيعي.

ه الجائزة ومجلس أمنائها. وقد فعلت ذلك بعد أن فوجئت بأن الكثير من المثقفين الذين يتكلمون عن الجائزة، تقييماً أو نقداً أو إشادةً أو تجريحاً لها، لا يعرفون منها إلا ما يظهر منها على السطح من خلال الخبر الصحفي الذي لا يكون دقيقاً غالباً.
تنويه: الاراء الواردة أو الاسلوب والنمط المتبع في سرد تفاصيل الموضوع لا يعبر بالضرورة عن رأي أو السياسة الخاصة بوكالتنا (وكالة خبر الاعلامية)
يرجى اخبارنا في حال وجود مخالفة او تصحيح او انتهاك حقوق نشر (بعد تقديم ما يثبت ذلك) عبر التواصل معنا