قراءة نقدية لقصة " أفواه " للقاص عباس عجاج - العراق , يكتبها الناقد علي محسن

وكالة خبر الاعلامية

قراءة نقدية لقصة " أفواه " للقاص عباس عجاج - العراق , يكتبها الناقد علي محسن

وكالة خبر | أدب وفنون
وكالة خبر - أدب -

قراءة نقدية لقصة " أفواه " للقاص عباس عجاج - العراق , يكتبها الناقد علي محسن


أفْواه
انطفأتْ نارُ الموقد، غفا الجميع، ترقرقتْ دموعها، عند الصباح كانت تحكي لهم عن القطة التي لعقتْ الحساء. في اليوم التالي كانوا يتربَّصون بقطةٍ لن تظهر أبداً.

لا شك أن الجوع هو من ألد الأعداء التي تواجه البشرية في كل المراحل التاريخية التي عاشتها، حيث يتجلى تأثير الجوع ضمن أثرين اثنين، الأول مادي جسدي يؤدي بالمرء إلى الضعف والوهن والمرض الذي ينتهي بالموت في نهاية المطاف، والأثر الثاني هو أثر معنوي يدفع المرء إلى ممارسة التسول و السلب والنهب والسطو والاعتداء على الأخرين، وربما القتل في حالات كثيرة، وهذا ما يؤدي إلى تدهور المجتمع على المستوى الأخلاقي وبالتالي فقدان المرء لأعزّ ما يملك ألا وهو الكرامة الإنسانية، يقول أحد الشعراء: وَلَيتَ جِراحَهُمْ في الجِسْمِ.. لكِنْ....جِراحُ النَّفْسِ أَقْتَلُ لِلرِّجال
فالجوع والكرامة لا يجتمعان على الإطلاق، والإنسان الجائع لا يمكن أن يفكر إلا ضمن الحالة التي تدفعه إلى البحث عن الطعام أي أن كل حواسه تعمل من أجل هذه الغاية الوحيدة وحسب، ولا شك أن قفلة القصة الواخزة توضح تلك الحالة بشكل واضح فالأشخاص الذين تحدث عنهم النص كان جلّ همهم هو أن يجدوا ما يسدوا به جوعهم، حيث أن أملهم بالحصول على منفذ للخروج من حالة الجوع أو حالة الفقر المتقع لم ينفذ بعد، لكن عبارة (لن تظهر أبداً) توضح بشكل جلي أن الحصول على الطعام بات أمراً مستحيلاً في مثل تلك الظروف التي يعيش بها هؤلاء الأشخاص. 
لو تمعنا قليلاً في العبارات التي تقدمها لنا تلك القصة سنجد أن الكاتب قد اعتمد على طريقة الإنزياح اللغوي، حيث يعتقد القارئ للوهلة الأولى أن أغلب جملها جاءت خبرية، ولكن مع قليل من التمعن في العبارات نستطيع أن نكتشف مجموعة من الإيحاءات التي تدل عليها تلك العبارات، فالعبارة الأولى مثلاً، (انطفأت نار الموقد) تدل على الفقر الذي حاق بتلك الأسرة المسكينة، وهذا الحدث هو جزء من الأحداث المنطقية التي تؤسس لورود الأحداث الأخرى في السرد، كذلك عبارة ( ترقرقت دموعها) تدل على الهم والغم والكدر والخوف من تلك الأيام الحالكة، وربما تدل على الذهول والإستغراب بسبب هذا المصير العجيب الذي قلب الحال من الغنى إلى الفقر. 
لكن الجوع في تلك البيئة لم ينل من تلك الأسرة فقط، بل من الحيوانات أيضاً، وهذا ما أراد الكاتب أن يدلل عليه ربما من خلال العبارة ( كانت تحكي لهم عن القطة التي لعقت الحساء)، فهم يعيشون كلهم في بيئة فقيرة معزولة ومحاصرة لسبب قاهر صعب، ربما يكون هذا السبب هو الحرب.
جاءت الثيمة قوية متماسكة، استطاع محيطها أن يقبض على الفكرة بإحكام ويمنعها من الشطط، وذلك من خلال سرد جميل وأنيق غلبت عليه حالة الإنزياح اللغوي بشكل واضح، وقد انتهى ذلك كله بقفلة مثيرة واخزة تماهت مع العنوان المناسب بشكل صحيح وسليم. كذلك فقد ظهر الأسلوب الحكائي للنص بشكل جميل، وبدت سيطرة الجملة الفعلية على مجريات الحدث القصصي للنص بشكل واضح. 
تعتبر هذه القصة من النماذج الجميلة التي توضح لنا أن اللغة وسيلة وليست غاية، فالغاية من الكتابة ليس تزيين اللغة بل إيجاد طريق سليم من خلالها، تسير فيه الفكرة لتصل إلى المتلقي بشكلها المنطقي السليم، بمعنى إن إفراط الكتّاب في استخدام المحسنات البديعة يجعل قصصهم أقرب إلى الحالة الشاعرية الغير مفهومة، وهذا ما يؤدي بدوره إلى ضياع الثيمة وتدهور الفكرة والتي تُعتبر قاطرة القص بلا منازع، ولا يمكن للعمل الأدبي والفكري أن يكون بدونها.
نكتفي بهذا القدر، ونبارك للكاتب عباس عجاج ونتمنى له المزيد من الإبداع. 
وشكراً
محسن علي


نشرت ‏فايزة‏ من
تنويه: الاراء الواردة أو الاسلوب والنمط المتبع في سرد تفاصيل الموضوع لا يعبر بالضرورة عن رأي أو السياسة الخاصة بوكالتنا (وكالة خبر الاعلامية)
يرجى اخبارنا في حال وجود مخالفة او تصحيح او انتهاك حقوق نشر (بعد تقديم ما يثبت ذلك) عبر التواصل معنا