أثر المكان وانعكاساته الثقافية في رواية السبايا انطباعات حول رواية " سبايا دولة الخرافة " بقلم: عباس عجاج.

وكالة خبر الاعلامية

أثر المكان وانعكاساته الثقافية في رواية السبايا انطباعات حول رواية " سبايا دولة الخرافة " بقلم: عباس عجاج.

وكالة خبر | أدب وفنون

وكالة خبر - أدب - 

أثر المكان وانعكاساته الثقافية في رواية السبايا 

انطباعات حول رواية " سبايا دولة الخرافة " بقلم: عباس عجاج. 



يذكر "لوتمان" أن الإنسان يخضع العلاقات الانسانية و النظم لإحداثيات المكان, بما يمكن إضفاءه من صفات مكانية على أفكار مجردة يساعد على تجسيدها, و تستخدم التعبيرات المكانية بالتبادل مع المجرد مما يقربه إلى الإفهام, و ينطبق هذا التجسيد المكاني على العديد من المنظومات الاجتماعية, الدينية, السياسية, الأخلاقية, و الزمنية, ممتدا إلى حضارة المجتمع و ثقافته.* 

في رواية " سبايا دولة الخرافة " للروائي العراقي عبدالرضا صالح محمد, نلمس ظهور أفق المكان من خلال أحوال الشخصيات التي تنتقل فيه, ومن هذا المنطلق تتضح الصورة العامة لثقافة شخوص الرواية بما تمثله من انعكاسات للمؤثرات المجتمعية التي تحيط بتلك الشخوص وتؤثر بها تأثرا مباشرا. 

تدور أحداث الرواية حول شخصية محورية ( اسحاق المسيحي ), إذ عرض الراوي استهلالا يبين مرحلة الطفولة لبطل روايته و الظروف التي ساهمت في بناء شخصيته, و المحيط المكاني بما حمل من طبيعة اجتماعية لمدن الجنوب العراقي وتعدد المكونات السكانية فيها , وما تكتنفه من تعايش سلمي بين الأغلبية الإسلامية والأقليات الدينية الأخرى, كما رصدت الرواية صورة سلبية من روح التنافس بين التجار في بغداد من خلال حرق مخزن الخمور الذي كان سببا في اتساع تجارة والد نيفين , ومن ثم استمالته لبيع ابنته فريسة لعيون السكارى في احدى الملاهي الليلية, بعد أن أغرقه قريبه بالديون , والتحرش بابنته لتكون ضحية فقر أبيها, وبالعكس من ذلك نجد تقبّل أهالي " العمارة " لاندماج أسرة مخالفة لهم في المعتقد و العادات, تعزز خلالها روح التعايش و التكافل, إلا أن تلك المساحة الضئيلة المشرقة لم تلبث إلا أن وُإِدت بعد أن تعرض دكان الجد للتخريب من فئة – كما جاء على لسانه - : " يقولون أنهم اسلاميون!!". 

وبحبكة سردية متقنة يؤسس لرحلة جغرافية تنقل أحداث الرواية إلى جانب آخر من الخارطة العراقية, ولفترة زمنية تأريخية تلبي رسالة الأدب, ودور السرد في توثيق الأحداث قبل أن تندرس من التاريخ, أو تقع تحت طائلة المتغيرات السياسية. 

الأحداث المتلاحقة لظهور ما يسمى بدولة الخلافة الإسلامية, تبرز بشكل جلي في رسم التوجه الشكلي للرواية التي تدور أحداثها حول رحلة " اسحاق " في انقاذ عمته " ميريام " المسبية , وما يرافقها من تغيرات مكانية تظهر بشكل أو بآخر براعة الإعلام المزيف للدولة المزعومة في استقطاب عناصرها التطوعية من مختلف دول العالم, و المؤثرات التي تدفع بأولئك المتطوعين للانخراط في صفوفها, تارة بالإغراء المادي, أو بالتحفيز العقائدي الضال تارة أخرى, كما يبدو جليا الدور البارز لبعض الدول بتسهيل مهام تلك الفرق التطوعية الإرهابية للحركة بأريحية في تنفيذ مشروعها الإجرامي. 

رحلة الانخراط في صفوف الدولة المزعومة انتابها بعض التساؤلات, التي تغاضى عنها الكاتب عمدا أو لضرورة تلافي التشعب في أحداث الرواية, أو لأسباب أخرى, ففي الوقت التي تكون الدولة سببا في انضمام " اسحاق " لصفوف التنظيم من خلال الضابط " وليد " ومعرفتها بأساليب العدو في استقطاب جيوشه من الخارج لم نجد دورا للحكومة في مراقبة تلك المهمة أو استفادتها من توغل عنصر بين صفوف العدو, كما أن عملية انقاذ العمة من القصر الجمهوري لم ترتق لضخامة الحدث, وقد بدت كأنها مهمة يسيرة , استطاع السارد اجتيازها بسهولة. 

الرواية حملت جانبا عاطفيا, وانسانيا, وتأريخيا, وهي بحق من الروايات القلائل التي تجذب القارئ للتفاعل معها, و تجبره على اكمال قراءتها دون انقطاع, امتازت بسلاسة السرد, و واقعية الحدث, وكشفت عن الصراع الواقعي , النفسي لشخوصها دون ارباك أو تصنّع. 

إن الفترة الزمنية التي كتبت خلالها الرواية, والإشارة التي كتبها المؤلف في مطلع روايته ساهما في شكل كبير في توثيق مأساة هي صورة من مئات القصص و المآسي التي يمكن أن تروى لأجيال قادمة, و توثق لفترة زمنية سوداء شهدتها مدينة الموصل , أبرع الراوي في رصد الكثير من بؤر الظلام التي شهدتها المدينة, والتي قد يأت يوما من يسعى إلى صبغها بلون مشرق مزيف. 

إن ثيمة الحرب استحوذت على كتابات العديد من القصاصين و الروائيين العراقيين في فترة ما بعد 2003 , وقد أجادوا الإحاطة بأحداثها , واقتناص جزئيات مهمة من رحاها الطاحنة , تناولوها من زوايا عدة وفقا لرؤية كل منهم , فإذا كان احمد السعداوي قد ارتحل بروايته " فرانكشتاين في بغداد " إلى العالمية, فالأحرى بعيدالرضا صالح ترجمة " السابايا " إلى لغة عالمية , لأجل الصورة الحقيقية لطبيعة المجتمع العراقي المتماسك, و توثيق المأساة التي عصفت بفئات المجتمع, و تفنيد أطروحة دولة الخلافة, المبنية على الجهل و الجنس و المادة, و البعيدة كل البعد عن التعاليم الإسلامية السمحة. 

أعتقد بأن " سبايا دولة الخرافة " حققت بجدارة رسالتها الإنسانية, و نجحت في رصد البعدين المكاني و الزماني للأقليات العرقية, و مدى تأثرهما في تلك الفترة الزمنية, وفق متغيرات الظروف, و تعرضت للعديد من المتغيرات في فلسفة الهوية, و الأزمات, و الذاكرة, والتي ما هي إلا قضية وجود في درجتها الأولى. 

بلا أدنى مجاملة أو تحيز.. نستطيع القول بأن الروائي عبدالرضا صالح محمد, نجح في روايته إلى حد كبير, من ايجاد توازن روائي بين التشويق القصصي , و التوثيق الدرامي لمآسي تلك الفترة الزمنية. 

قراءة .. عباس عجاج 

.................................................................................................... 

* سيزا أحمد قاسم: بناء الرواية, دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ, الهيئة المصرية العامة للكتاب, الطبعة الأولى 1984.
تنويه: الاراء الواردة أو الاسلوب والنمط المتبع في سرد تفاصيل الموضوع لا يعبر بالضرورة عن رأي أو السياسة الخاصة بوكالتنا (وكالة خبر الاعلامية)
يرجى اخبارنا في حال وجود مخالفة او تصحيح او انتهاك حقوق نشر (بعد تقديم ما يثبت ذلك) عبر التواصل معنا