دراسة .. توظيف الرموز الإسلامية في الرواية العربية المعاصرة .. "الحُسَين إنموذجاً" عبدالله الميّالي

وكالة خبر الاعلامية

دراسة .. توظيف الرموز الإسلامية في الرواية العربية المعاصرة .. "الحُسَين إنموذجاً" عبدالله الميّالي

وكالة خبر | مقالات
وكالة خبر - أدب -


توظيف الرموز الإسلامية في الرواية العربية المعاصرة .. "الحُسَين إنموذجاً"
بقلم.. عبدالله الميّالي 

في تناغم واضح مع مقولة جونثان كولر: "إنّ التاريخ لا يكشف عن نفسه إلا في شكل سردي، وفي قصص صمّمت لتنتج المعنى من خلال التنظيم السردي"(1) ، سعى الأدباء العرب في العقود الأخيرة, وبعد التغييرات الكبيرة في المنظومة العربية, سياسياً واجتماعياً وفكرياً وثقافياً, إلى إعادة قراءة التاريخ والتراث معاً من خلال كشف مخزونه الفكري والعلمي والأدبي والديني, والسعي لتوظيف ذلك في نتاجاتهم الأدبية المختلفة.
وقد عزا أحد الباحثين أسباب هذا التوظيف إلى ثلاثة أسباب رئيسية: 
1ــ بواعث واقعية: سببها، تداعيات نكسة حزيران 1967م ، حيث استجابت الرواية العربية، بوصفها أحد مظاهر الثقافة في المجتمع، للعودة إلى التراث، دون أنْ يعني ذلك أنّ الرواية العربية لم تعرف توظيف التراث قبل نكسة حزيران، بل يعني أنّ التوجه إلى التراث بعد النكسة تميّز بخصوصيّة لم تكن معروفة من قبل.
2ــ بواعث فنية: سببها، تراجع الرواية الغربية، بوصفها المثال الأعلى بالنسبة إلى الرواية العربية، وظهور روايات أخرى تنتمي إلى أمريكا اللاتينية، واليابان، وأفريقيا، تميّزت بشكل فني مغاير للشكل الفني في الرواية الغربية، وساهمت، بميل كتّابها إلى الغوص في البيئة المحلية، ورصد عادات الشعب وتقاليده وتراثه، وتوظيف التراث الإنساني.
3ــ بواعث ثقافية: سببها، ما بذله بعض النقاد والباحثين، من جهود للعودة بالرواية العربية إلى تلك الأصول والجذور التراثية، بدلاً من ربطها بالرواية الغربية. وقد وجد هؤلاء الباحثون أنّ كتب التراث تنطوي على ألوان كثيرة من القصص، كالقصص الديني، والقصص البطولي، وقصص الفرسان، والقصص الإخباري والمقامات، والقصص الفلسفي، فما كان منهم إلا أن قطعوا صلة الرواية العربية بالرواية الغربية، ونسبوها إلى هذه الأشكال القصصية والسردية الموجودة في بطون كتب التراث.(2)
ومن ذلك ما لاحظناه من توظيف للرموز الإسلامية، وهي التي اكتسبت القدسية عند المسلمين عبر الأجيال، وما اتصل في الذاكرة الجمعية الشعبية للأمة الإسلامية، في عدد لا يستهان به من الروايات العربية المعاصرة, ومما لا شك فيه أنّ هذا النوع من التوظيف, يضفي على العمل الأدبي إبداعاً من نوعٍ آخر, يتمثل بامتداد الماضي بالحاضر, ويكشف عن مدى ارتباطنا بماضينا الذي لا يمكن تهميشه أو التغاضي عنه حتى وإن كنا نعيش الحاضر وثورته (التكنولوجية) بالتزامن مع النظريات السياسية والاجتماعية والثقافية الحديثة والمعاصرة .. يشير الباحث الجزائري د. عبدالقادر عميش إلى تلك الجزئية: "إنّ توظيف الرمز الإسلامي والثقافة الإسلامية في هذا الزمن بالضبط – الزمن الكاكي – أو ما أسميه – بثقافة الزناد – ضروري للغایة، لأنه ترهين للتاریخ، وترهين للغة الأصولية."(3)
حاول الروائي العربي بكتاباته، أن يستلهم من الإمام الحسين بن علي، كواحد من الرموز الإسلامية الكبيرة, القيّم والمبادئ والمواقف الإنسانية والروحية والنضالية, فضلاً عن مأساته التي سجلتها الكُتب والمدونات التاريخية منذ أربعة عشر قرناً حتى الآن, ويمكن أن نفسّر اهتمام الرواية العربية المعاصرة بتوظيف هذه الرمز الثائر الذي اختار المواجهة والتحدي والنضال ضد السلطة المنحرفة, برغبة الروائيين بإسقاط مثل هؤلاء الثوريين على الحاضر, الذي هو أحوج ما يكون إلى شخصيات ثورية تواجه الظلم والفساد والانحراف والاستبداد, وتقف بوجه الظالمين والفاسدين والمستبدّين.
إذا استثنينا رواية جرجي زيدان (غادة كربلاء) ورواية عبدالحميد جودة السحار (حياة الحُسين) ورواية كمال السيّد (ألم .. ذلك الحُسين) وهي روايات أشبه بكتابات تاريخية, وليست على طراز الروايات الأدبية المعاصرة (فالعمل الروائي لا يحتمل استرجاع الحدث كما هو بتفاصيله بل يكفي التلميح أو الإشارة إليه واستدراج القارئ لكي يستكمل الحالة ويندمج شعورياً مع ما تخلقه من الإيحاء والانفعال)(4) ، فإنّ أحمد شوقي كان سبّاقاً في توظيف الرمز الإسلامي، من خلال مسرحيته الشعرية الشهيرة (مجنون ليلى), التي طبعها عام 1935 ، عندما استدعى شخصية الإمام الحُسين بكلَ ما تحمله هذه الشخصية من رمزية معروفة عند جميع المسلمين، ولكن هذا التوظيف قد نحى منحى آخر غير متعارف عليه عند القارئ لشخصية الإمام الحُسين، فقد ابتعد أحمد شوقي (وبذكاء) عن أجواء كربلاء وتداعياتها المؤلمة، ليكشف عن موقف جديد لم يتم تناوله كثيراً في تاريخ الإمام الحُسين (أرجو قراءة نص المسرحية لبيان ذلك) .. تجدر الإشارة إلى أنّ الأدباء العرب كانوا إلى الثلاثينيات من القرن الماضي يستعملون مصطلح "رواية" لجنس المسرحية، كما ذهب إلى ذلك عبد العزيز البشرى، الذي وصف مسرحيات أحمد شوقي بالروايات.(5) 
ومن خلال مطالعتنا لعدد من الروايات العربية المعاصرة, وجدنا أنّ هناك اختلاف في عميلة التوظيف للإمام الحسين شهيد كربلاء, فهناك من ركّز على الجانب (الطقوسي) الذي يؤديه أنصاره, كما في هذا النص من رواية "طشّاري" للكاتبة العراقية إنعام كجه جي: (كانوا جميعاً أخوة وأحباباً وأبناء وطن واحد, يحاول أن يقتنع بما يقول وهي تروي له كيف كانت, وهي المؤمنة بيسوع وبشفاعة مريم, تحضر القرايات على الحُسين في عاشوراء ... في القرايات تنساب دموع وردية بدون أزجال أو محفّزات, تستذكر موتاها وتبكي مع اللاطمات على الحُسين). ص71
ومن رواية "خلف السدّة" للكاتب العراقي عبدالله صخّي, وهي رواية شعبية بامتياز, تتحدث عن مجتمع (الصرائف) خلال فترة حكم عبد الكريم قاسم, ومن البديهي أن تمر بذكر الطقوس التي يمارسها شيعة الإمام الحُسين في ذكرى عاشوراء من كل عام, وقد تكرّر ذلك في الرواية في أكثر من مورد, منها: (ونذر دمه أثناء الاحتفال الطقسي في شهر محرم من كل عام إحتماء بدماء الحسين بن علي التي سالت في واقعة كربلاء) ص21 
وذكر أيضا في نفس الرواية: (كان سلمان اليونس جالساً, تحت السقيفة التي شيّدها من السعف والقصب في أول الصيف, يحدّث حليمة عن إعجابه بترتيل عبدالزهرة الكعبي لمقتل الإمام الحسين بن علي كما رواه أبو مخنف, بينما هي ساهمة تحدق في نقطة ما في السماء الصافية)ص27 .. (سرقة الكهرباء أمر مقبول في مثل هذه الأيام, عمل يُكرِّسه العُرف وتقبله السلطات الحكومية, وبعد أن تنتهي مراسم إحياء ذكرى حادثة مقتل الحسين بن علي يتوقف سحب الكهرباء تماماً). ص91
ومن الروائيين من يستذكر مظلومية أهل البيت عامة والحُسين خاصة, مع بقاء نهج الحق والصدق والإباء عندهم كمبدأ لا يتغيّر بمرور الزمن, كهذا النص من رواية "السعبري" للروائي العراقي محمد مشعل : (هي هي عين تلك القيود التي كبّلت يد وعنق الإمام زين العابدين, لكنها لم تكبله عن قول الحق, وانتهاج الصدق, فاز وانتصر وبقي شامخاً إمامنا, ومن أوثقوه وغلوا يديه خاسرون ماتوا في أول الزمان, لحقتهم الهزيمة والعار أينما ذكروا, وسيلحق بهم قوم انتهجوا نهجهم مهما طال الزمان, وتوالت الأيام .. سَيِّد من يوم مصيبة جدّك الحُسين ولحدّ اليوم الظلم مستمر, كأن الظلم أبدي علينا!). ص83
الكاتب مرتضى كزار, ومن خلال روايته "السيد أصغر أكبر" يلجأ إلى توظيف جديد يتعلق بالإمام الحسين، حيث يُوظف النسب الشريف للإمام الحسين، من خلال إدّعاء أحد الرؤساء العرب بنسب يتصل بالحُسين لتسويق نفسه للشعب: (ظهر للرئيس نسب جديد, يتصل بالحسين بن علي بن أبي طالب, لكن بواسطة فرع من اليمن)!. ص18 
الروائي اللبناني د. محمد طعان, يستدعي شخصية الإمام الحسين كثيراً في روايته "سيد بغداد" .. سنختار نصاً واحداً منها, يتعلق بالهدايا والنذور التي أعتاد عليها شيعة الحُسين، حيث نقرأ: (أخرجت آمنة ثلاث أساور كانت الجزء الأكبر من مهرها, وكانت قد أقسمت أن تهبها, في حال عثرت على أثر لزوجها, للإمام الحُسين الذي يستقر ضريحه في أحد مرقدي كربلاء .. شقّت آمنة طريقاً وسط الحشد المتجمّع في فناء المسجد, مُنسلّة بين المُصَلّين, وولجت إلى داخل المبنى لتصل بصعوبة إلى قبر الإمام الحُسين, كان يحمي هذا القبر قفص معدني كبير مصفّح بالذهب, وثقبه الواسع يسمح بتمرير النذور) ص15 
الروائي المصري إبراهيم عيسى، لم يكن بعيداًّ عن شخصية الإمام الحسين وهو يطرح النزاع العقائدي والتاريخي بين السُنّة والشيعة، في روايته الشهيرة "مولانا" التي تحولّت إلى فيلم سينمائي: (كان لابد لهذا الصراع السياسي من مبررات غير سياسية ظهرت كلها بعدما انتهت الحرب، وجاء السؤال عن شرعية قتال بين فئتين من المسلمين، فظهر شيعة علي الذين انحازوا لموقف الإمام ولآل البيت، خصوصا بعد مجزرة ومأساة كربلاء التي هي سُبّة في جبين الإنسانية وليست الدولة الإسلامية فقط.) ص455
لاحظنا من خلال الدراسة، أنّ توظيف الرمز الإسلامي (الإمام الحُسين تحديداً) في ما عرضناه من نماذج قليلة لروايات معاصرة، لم يتخذ طريقاً واحداً محدداً، بل أختلف هذا التوظيف حسب رؤية الكاتب لِما يتطلبه إسقاط شخصية تاريخية كالإمام الحُسين في مجريات الرواية، وإن كان الجميع قد اتفق من حيث المبدأ على توظيف شخصية الحُسين، بما يحمله هذا الاسم من رمزية دينية وتاريخية وجهادية غدت مع تعاقب الأجيال مناراً للثائرين والمناضلين والأحرار وهم ينشدون طريق الحرية.
ــــــــــــــــــــــــــ
مصادر الدراسة
1 ــ د. عبدالهادي الفرطوسي / دراسة نقدية عن رواية حكايات دومة الجندل / نُشرت على موقع مركز النور بتاريخ 17/10/2007 
2- د. محمد رياض وتار / توظيف التراث في الرواية العربية المعاصرة ص12 
3- د. عبدالقادر عميش / مقال في مجلة حوليات التراث ــ جامعة مستغانم ــ الجزائر 
4- عبدالعزيز المقالح / صدمة الحجارة ص188 
5- كريمة غيتري / تداخل الأنواع الأدبية في الرواية العربية المعاصرة ص30
تنويه: الاراء الواردة أو الاسلوب والنمط المتبع في سرد تفاصيل الموضوع لا يعبر بالضرورة عن رأي أو السياسة الخاصة بوكالتنا (وكالة خبر الاعلامية)
يرجى اخبارنا في حال وجود مخالفة او تصحيح او انتهاك حقوق نشر (بعد تقديم ما يثبت ذلك) عبر التواصل معنا