مرثية أريدو: حين غادرتها الطيور بقلم.. د.عبدالأمير الحمداني

وكالة خبر الاعلامية

مرثية أريدو: حين غادرتها الطيور بقلم.. د.عبدالأمير الحمداني

وكالة خبر | أدب وفنون
وكالة خبر - أدب -
مرثية أريدو: حين غادرتها الطيور
بقلم.. د.عبدالأمير الحمداني

"بيت الألواح" يتناول مرثية تسرد ما حصل من خراب وتدمير لمدينة أريدو في بداية الألف الثاني قبل الميلاد، ويأتي تزامناً مع ما يحصل من تدمير لمدينة البصرة في بداية الألف الثاني الميلادي. أمرٌ مؤسف أن يصبح الرثاء تقليداً في الطقوس العراقية القديمة والمعاصرة.
تقع مدينة أريدو على مسافة ٢٥ كم جنوب غربي أور في محافظة ذي قار. يعني إسمها المدينة البعيدة في اللغة السومرية، إذ أنها تقع في نهاية السهل الرسوبي من جهة البادية الجنوبية الغربية. كانت مركزاً لعبادة إله المياه (أنكي)، وفيها كان يقع مسكنه المُسمّى أبسو (مياه العمق العذبة) وسط الأهوار. كانت أريدو، بحسب المعتقدات السومرية، أول مدينة في الكون نزلت فيها الملوكية وأسباب الحكم من السماء الى الأرض. فيها خلق أنكي الإنسان الأول المسمّى (أدابا)، وفيها أخترعت عناصر ومقوّمات الحضارة البشرية. يوصف أنكي بأنه إله المياه والحكمة وهو من خلق الفأس والمحراث وزرع النخلة وعلّم الإنسان الزراعة والكتابة والتعدين والشرائع. يوصف ريف أريدو بأنه موطن الحدائق الألهية وهي عبارة عن سهل خصيب يُدعى (إيدن) الذي قد يكون الأصل لما أصطلح عليه (جنة عدن)
العاصفة الصاخبة غطّتها مثل عباءة، وإنتشرت فوقها مثل الملاءة.
غطّت أريدو مثل عباءة، إنتشرت فوقها مثل الملاءة.
في المدينة، دوّت العاصفة الغاضبة.
كان صوتها مخنوقاً كما لو أن عاصفة رملية ضربتها.
بقي أنكي، سيدها، خارج مدينته كما لو أنها مدينة غريبة، بكى بدموعٍ مريرة.
من أجل المدينة المتضررة، بكى بكاءً مراً.
سيدتها، غادرت مدينتها مثل طائر مُحًلّقْ، 
والدة المعبد النبيل، داماجلونّا، السيدة النقيّة، غادرت مدينتها.
المدينة ذات الطقوس النقية- طقوسها إنقلبت.
التي كانت طقوسها الإلهية من أعظم الطقوس- تغييرت طقوسها.
في أريدو تحوّل كل شيء إلى خراب، وعمّت الفوضى.
خرجت العاصفة الشريرة من المدينة. انها تجتاح الريف.
العاصفة، التي تتّسمْ بالحقد، لا تميز بين الخير والشر
هبطت العاصفة مثل المطر. ضربت بقوة.
المدينة المُتألقة بضوء النهار الساطع، أصبح يومها مُظلماً.
كما لو أن الشمس إختفت تحت الأفق، تحولت إلى غَبَشْ.
كما لو أن الإله آنو قد لعنها، هي وحدها قد دمّرها.
كما لو أن الإله إنليل قد صَبَّ غضبه عليها، أريدو، ضريح آبسو، إنحَنَتْ.
المدينة دُمّرت! المعبد دُمّر! الصرخة مُرَّة.
تحطّمت جدرانها، قُلبت أُسسها.
في جميع أنحاء المدينة، المكان النقي، كانت الأُسس مليئة بالأوساخ.
الزقورة، الضريح الذي يصل إلى السماء، تحوّلت إلى حطام.
بوابتها، زقورتها الكبيرة التي توصل بين السماء والأرض مليئة برائحة النار.
تقطّعَ بابها اللامع، مغلاق بابها اُخترق.
إطار بوابتها تحطّم، معبدها تشوّه.
كان تدمير أريدو مؤلماً.
عند بوابة الأسد، المكان الذي تُقرّر فيه المصائر،
تشوّهت الأشجار التي منها صُنعت أعمدة وزينة المعبد.
عند بوابة زريبة تسمين الخراف، أُريق الحليب والزبد.
أُهملت الطيور والأسماك.
حَلَّ الدمار في جميع أنحاء المعبد،
توقّفت الأغاني المقدسة، الأغاني من جميع الأنواع.
إنتهت الطقوس العظيمة، في أريدو، مكان آلهة السماء والأرض.
لَمْ يعدْ سارياً الحُكم الذي أصدره الملك، صاحب الصولجان المقدس.
الكاهن غادر، الوزير إسيمود مُتحيّر، دَخَلَ الغرباء إلى المعبد.
آه يا أريدو، ضريح آبسو، المُنمّقة، ذات السماء اللازوردية. 
غادرت طيور المدينة المدمّرة الأعشاش.
عانتْ الطيور النائمة، تلوّى قلب العصفور من الألم.
أصبحت المنطقة مليئةٌ بالأشواك والشجيرات البرية.
القدور المقدسة، والتي لا يمكن لأحد أن ينظر إليها، تحطّمت.
الكنوز المقدسة المخزونة، مثل الضباب الكثيف، تبعثرت بشدة على الأرض.
تفرّق الناس مثل أسراب الطيور المفزوعة من مخابئها. تناثرت المعادن الثمينة والحجر.
بمرارةٍ، الأب أنكي نطقَ الرثاء لنفسه.
بسبب دمار أريدو، أنكي، ملك آبسو،
أقام خارج مدينته كما لو أنها مدينةٌ غريبة.
لَوى عنقه إلى الأرض.
سيدتها، البقرة المؤمنة، البقرة الرحيمة، النقية، داماجلونّا،
كأن مخالبٌ وُضعت في صدرها، مخالبٌ في عينيها.
تنوح ببكاءٍ محموم.
حملت خنجراً وسيفاً في كلتا يديها وهما يتصادمان معاً.
أريدو، المدينة التي تتوسط غابة القصب.
في أريدو، الثور والبقرة غادرا الزريبة،
بكت سيدة المدينة، وصرخت "مدينتي".
آه يا أنكي، دُمّرَ معبدك، حُطّمت مدينتك، إنتُهكَ شعبك!
لكن المُفرح أن المدينة أُعيد إعمارها من جديدة بأبهى صورة من قبل الملك نور أدد (١٨٠١-١٧٨٥ ق.م)، حاكم سلالة لارسا المجاورة. يرد في نص يعود للملك أنه أعاد المدينة الى مجدها الزاهر:
أنا، نور أدد، الرجل القدير،
المزارع المُخلص لأور،
ملك لارسا، الذي طهّر طقوس معبد بابار اللامع،
أريدو، التي تضرّرت منذ فترة طويلة،
أرغبُ بإعادة بنائها حتى أتمكّن من جعل عهدها مُزدهراً.
بنيتُ لأنكي مسكنهُ المحبوب.
إستعدتُ تصميمهُ الأصلي.
تنويه: الاراء الواردة أو الاسلوب والنمط المتبع في سرد تفاصيل الموضوع لا يعبر بالضرورة عن رأي أو السياسة الخاصة بوكالتنا (وكالة خبر الاعلامية)
يرجى اخبارنا في حال وجود مخالفة او تصحيح او انتهاك حقوق نشر (بعد تقديم ما يثبت ذلك) عبر التواصل معنا